قصة لا نهاية لها


كتبت القصة 2012

اعيد نشرها الان لانني بدأت باكمال القصة بقسمها الثاني

قد تكون الأشياء في بداياتها من خلال مظاهرها الواضحة توحي بأشياء يُعتَقَدُ بأنها كاملة المعاني ، فالمظاهر هي كل شيء تقريبا أثناء الحكم على حادثة معينة ، فالقمر ما أن تنظر إليه حتى تصاب بنوع من الإلهام و الأمل الذي لا يشق له غبار ، بينما هو مظلم ، كذلك الشمس التي اعتبرها البشر منذ أقدم الأزمان أنها أعظم ما رأته العين ، لكنك إن اقتربت منها ستلعنها وتتمنى لو أنها لم تخلق قط .
الضجة تملأ المكان ،خطوات لا تتوقف ، هرولة تكاد تظن انك في يوم الحشر ، الا انها متناغمة كأنها مقطوعة موسيقية لــ فانغليز او فاغنر ، واذا نظرت الى الجدران احسست انك في معرض لأعظم لوحات عرفها الفن يوما ، فهنا لوحة العشاء الاخير وهناك لوحة ما ان تناظرها حتى تستشعر اجواء سفح جبل كنت يوما تفطر عنده.
الناس بين الأروقة يسعى كل فرد منهم لعمل محدد ، كالرقاقات الالكترونية في حاسوب بالغ التعقيد و الدقة ، قد يجيبك اذا سألته ، ولكن ان تعلق السؤال بالعمل وان عاد السؤال بفائدة على المكان ، فالوقت كسيف لا تملك مقبضه ، أروقة العصور الوسطى حيث الطقوس الاكثر سرية ، فرسان القديس ، سيوف الملائكة ، كؤوس الانتصارات ، انه قسم التاريخ في جامعة ميتشغان في الولايات المتحدة الأمريكية .
في نهاية الرواق الفخم ، تقع غرفة لجنة الدراسات العليا و التي تتألف من مجموعة من علماء التاريخ من انحاء العالم ، هم اعظم رواد التاريخ ، لو اقتصر العالم عليهم لكفى بهم صناعة تاريخ جديد بعمر ما مضى من التاريخ ، تنتابك نوبة فزع اذ تنظر اليهم ، فاي صراع مع احدهم حول التاريخ احتمالية النجاة منه اقل من الواحد بالمئة.
خصصت اللجنة مقاعد الدراسات العليا في اربع حقول ، كان من ضمنها – بعد دراسات حثيثة عن الشرق الاوسط – مقعد تحت مسمى (تاريخ العراق القديم) ، نال هذا المقعد طالب حصل على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف في التاريخ القديم ، يدعى : (هندرسون ماكميليان) ، وبعد ان انهى فصول الدراسة الاولى لم يتبقَ له سوى كتابة اطروحته لاكمال درجة الماجستير في التاريخ القديم ، وقد أرقت هذه المسألة مضجع هندرسون ليالٍ طوال في مكتبة الكلية ، فاختيار عنوان لاطروحته يستدعي الكثير من الطاقات الواجب بذلها ، فهو يصر على اختيار موضوع قديم جديد وربط ذلك بمن سيشرف على دراسته . فذلك كفيل بان يحل من وجهة نظر هندرسون المسألة .
بعد دراسة دقيقة اجراها هندرسون عن كل الاساتذة الموجودين في قسم التاريخ ، وقع اختياره على الاستاذ : (أبراهام تولستر) ، الحائز على درجة : “أستاذ كرسي ” في تاريخ العراق القديم ، لا سيما وانه قد زار العراق اكثر من مرة ، فضلا عن مؤلفاته و مشاهداته العينية لمعظم المواقع الاثرية في العراق .
بعيدا عن صخب الاجواء ، يستذكر أبراهام في غرفته ربيع عمره الذي قضاه في العراق و هو يحمل صولجانه كأحد الاكاسرة ، وسيجاره الذي يوصي عليه من هافانا ، بسترته التويدية التي لا يبدلها ابدا ، ونظارته التي توح لك ذا نظرت من خلالها انك سترى الكواكب وتخترق بها السموات السبع ، وحذائه الملتوي الذي يشعرك بأنك ستطير حيث شئت كبساط الريح .

طرق الباب هندرسون الباب الثلاثة المرات ، فأذِنَ له بالدخول ، ناظره أبراهام فغاب يستطرق باب الذكريات فتذكر هذا الشاب الذي قد رآه يوما بين اروقة المكتبة ، فسرى بخياله الى ماضيه الذي يعتبره احلى لحظات العمر ، فما يفعله هندرسون باقحام راسه بين الكتب تماما كالذي فعله من قبل ، تبسم و تمتم لنفسه “سيكون بذرة جديدة لحلم عتيق ” حلم ضاع بين اوار حرب العراق و اميركا في تسعينيات القرن الماضي ، التي طرد نتيجتها من العراق وكان ذا حظ عظيم اذ نجا ، ولم يكمل دراساته عن الاثار التي تحت ما يسمى “مشهد النبي يونس” في نينوى ، كان ينوي دراسة تلك البقعة مستكشفا حياة النبي الاجتماعية في المدينة في التاريخ القديم ، فكان هندرسون كالوحي المنبعث من روح يونس لاتمام دراسته.
عاد ابراهام الى مكتبة ، فكان الديكور الذي يطغى على المكان كناية عن مزيج متنافر من السجاد الشرقي المعلق على الجدران فوق ارضية رخامية ومزيج من التماثيل و الاثار ، جلس على كرسيه المدولب ليعلن انتصاره على كل عقبات الدنيا ، فهو اليوم ملك لا بل قيصر و اصبح المشهد كأنه يجلس في بلاطه التاريخي و الدخان يتصاعد من عشيقته الكوبية ، في هذه اللحظة من الانتصار طرق الباب طرقة أسدلت الستار على كل الافكار التي كانت تراوده في العراق ، دخل هندرسون معلنا ولاءً اسطوري لمملكة خرافية ، فهو وريث العرش الذي سيتوجه ابراهام بنفسه حكم الامبراطورية ، فالمكان كافٍ لمثل هذه المراسيم ، ما ان دخل هندرسون حتى هاله المنظر فتارة ظن نفسه في بلاط اسرحدون واخرى جليس امنحوتب ، بينما يراقب سقراط و افلاطون في جدالاتهم .
كيف حالك يا سيدي ، قالها هندرسون ، فلم يسمع الرد ، فالامبراطور مشغول باحلامه ، فادرك انه لا يجب عليه انتظار رد.
– انا هندرسون طالب في الدراسات العليا ، انهيت دراستي في فصلها الاول ، وارغب كثيرا ان اكتب في تاريخ العراق القديم ، وقد آثرت بعد كثير تفكر بان تكون استاذي المشرف .
– ولماذا اخترتني ؟ قالها ابراهام وهو لا يزال في نشوته ، ويعلم في قرارة نفسه انه لن يرفض ذلك الطلب.
– هو شعور مر بي كخيط دخان لا اعلم مبعثه . كأنني أمرتُ دون ارادة مني ان اولي وجهي شطرك .
ساد الصمت الغرفة ، لم يكن هندرسون مشغولا بالاجابة ، فهول ما رآه في هذا المكتب الاسطوري ، الذي وقع نظره فيه على رف الكتب المبعثرة التي تحول لونها الى البني من غبار السنين ، كأنها قبور مقدسة حوت جثامين حمورابي و قسطنطين و كليوباترا ، تحرسها التماثيل التي صاغتها السنين ، ان اكثر ما كان يفكر به هو امكانية لمس تلك الكتب مع انتظاره حدوث معجزة اناء اللمس و اطرافه ، هل يمكن لمسها ، شم عطرها مجالسة اصحابها ؟ فتحول المشهد الى رومانسية منطقية مليئة بالفلسفة الروحية ، أمعن النظر اليها واقترب منها اخيرا .
ابراهام كان مستمتعا بتلك الذكريات التي بث هندرسون فيها روح الملائكة الاربعة لبرنيني ، هنا تجاوز هندرسون لغة العيون ووصل مضرجا بدمائه بوابة المملكة في مشهد درامي طرحت فيه الاجساد على الرف ، فاستل كتابا بصره وخافقه ، أصبح المشهد اكثر كارثية ، ارواح تتصاعد الى السماء تتلاقها بابل و اشور و روما وتتصارع حولها اهرام الفراعنة ، ذلك الكتب الذي اصبح رفيق دربه ، بعد انفض التراب عنه كأنه يداعب طفله ، عنوانه مثير للجدل محير محزن مفرح كارثي ، كاد ان يقضي على كل الدراسات اللاهوتية التي تلقاها هندرسون في كنيسة القديس بطرس ، كذب الامر بادئا ، ثم شدته سهام اطلقها الكتاب تارة اخرى ، سهام اعداء تتطاير حوله تحاصر عنقه تشده واخرى تبعده ، كيف يكون الحوت نبيا ؟ كيف يمكن ان يحدث هذا ؟ هل يا ترى ابراهام ماسونيا ؟ باطنيا ؟ هل هذا الكتاب قديم ؟ جديد ؟ الهي ؟ ثم اقنع نفسه انه مقدس ، قرأ الصفحة الاولى فشعر ان يداه تلطخت بدماء ترابها ، وكاد يفقد صوابه ، لا يمكن تصديق هذا الكلام ، اي كلام هذا الذي كتب هنا ، واي عنوان هذا ، أ يعقل ان يفكر احد في كتابة كتاب بهذا العنوان : “الحوت النبي الذي أنقذ يونس النبي” .
سمع ابراهام تمتمات هندرسون ولما رآه معتنقا ذاك الكتاب هرع اليه بكل ما أوتي من اسلحة قد استخدمتها طروادة ، صرخ بنبرة ملؤها الحزن :
– ماذا تفعل يا بني ، كيف سمحت لنفسك ان تفعل ذلك ، لقد احرقت ما تبقى من ذكريات.
– هندرسون وهو يشعر بالخجل المنتشي بالانتصار ، لم اصبر عليه يا سيدي ، ولاني قد شرعت لنفسي اقتراف ذنب مثل هذا ، فقد اقدمت عليه .
– هل تعلم ماذا فعلت لتوك ؟ لقد الزمت نفسك امرا ما كان لك كان تدخل فيه .
– ماذا تعني يا سيدي ، قالها وهو يفكر في لعنة مسحورة قد تحل عليه ، لكنه كان سعيدا بذلك ، فا حلت لعنات ذلك الكتاب عليه ، فذاك اقصى امنياته، هل هو من اساطير الاولين ؟
– هل تمزح ، ماذا تعرف عن الاساطير انت ؟
– اعرف انها وحي من الخيال ، كتبها اناس لغايات كثيرة ، وربما لمصالحهم الخاصة.
– ربما في كلامك شيء من الصحة ، ولكن ان كان للاسطورة ما يقابلها في الحقيقة ، فلن تكون من وحي الخيال ، فالاسطورة جزء لا يتجزأ من تراثنا ، و هي الجانب الذي لم يحظ بأدنى قدر من الاهتمام ، إزاء صدور الحكم عليه باللامعقول الذي ينبغي شطبه من تاريخ العالم ، قبل درسه الدرس الكافي لاصدار مثل هذا الحكم.
ساد صمت عميق تفتقت له الجدران ، والحيرة بادية على هندرسون الذي بدأ شعره الذهبي بالانسدال على وجنتيه ، وتطايرت خصلاته بفعل النفخ الذي اعتاد عليه هندرسون ، لكن هذه الحيرة انتهت بانفجار البركان الذي اوقد ناره هو ، وهنا بعد ان استنشق ابراهام اخر قبلة من عشيقته الكوبية كأنها كتلة نار تنفث دخانها. ، فقال هندرسون :
– يا سيدي ، ما قصدك بتحذيري ، وما الذي اوقعت نفسي فيه الزاما؟ لكني كنت افكر في ان ما احتواه الكتاب و ماذكره هو من فعل الله.
– “هذا من فعل الله” ليس تفسيرا لظاهرة ما ، انما هو اعتراف بانه ليس لدينا تفسير لهذه الظاهرة ، واحيانا يؤدي هذا الموقف – و هو الاخطر – الى عدم بذل الجهد العلمي المطلوب لمحاولة ايجاد تفسير معقول .
– هل يعقل ان يكون الحيوان نبيا ؟
– لقد حكمت بكلامك هذا على تلك الظاهرة بالعدم او الاستحالة ، فلو بحثت جيدا لوجدت ان المقصود خلاف ما تبحث عنه ، دعنا من هذا الحديث الان ولنبدأ بما جئت لأجله ، لقد اطلعت على بياناتك وقبلت الاشراف عليك وارج وان يكون كلانا جديرا بذلك.
– اذهب الان و تعال غدا لنجلس و نتحدث بشأن المجال الذي ستكتب فيه.
خرج هندرسون وكأنه استيقظ لتوه من حلم عاد به الى الازمان الغابرة ، ولم يرضى ان ينفض تراب الكتب عن جسده وكأنه تراب مقدس ، وبعد ان دخل الى المكتبة بدأ بلملمة شمل التراب ووضعه في قارورة لئلا يفقد قدسيته ، واحتفظ بها في جيبه ، وكأنها مصباح علاء الدين .
نظر الى الكتب نظرة كادت ان تخترقها ، وكأنه جائع لم يأكل منذ زمن بعيد قد رأى الطعام لتوه ، استأذن امين المكتبة ان يبقى فيها هذه الليلة ، وما ان حل الليل و ترك الطلاب الجامعة ، وخلت المكتبة الا من هندرسون ، تحول المشهد الى مقبرة ملكية تختزن في باطنها كل نفس ، واصبح هو كاحمي المقبرة ، وبدأ بالبحث عن كل ما يتعلق بــــ “يونس” ، واخذ يتخيل انه في زمنه يناظره ويتأمل لحيته ومشيته وكيف كان يدعو الناس الى عبادة الاله الواحد .
بدأ الدخان يتصاعد يصاحبه نور لم يرَ مثله قط ، واذا برجل يحمل بيده عصاه يسير ببطء شديد توحي مشيته بحكمته ، يتكأ على عصاه المخملية لتي اشار بها الى هندرسون ، فأوجس منه خيفة ، فقال اتبعني ، ومشى خلفه ، وهو يناظر مشيته التي تخلف اثارا واضحة ، وصلا الى بيت مبني من الآجر و اللبن ، فدخلا الا ان هندرسون تراجع الى الوراء قدما ، من هذا الذي يدعوني الى بيته ، أحس بان هناك قوة تدفعه الى الدخول ، فجلسا وسقاه الرجل لبنا ما شرب منه هندرسون ابدا ، فهو لم يكن يحب اللبن في صغره ، ما ان بلغ نهاية العام الاول من عمره حتى كره مذاق اللبن و مذاقه ، بدأ الرجل الغريب يتحدث اليه كأنه يعرفه وهو يستمع اليه دون ان ينبس ببنت شفة ، و الرجل يذكر اشياء غريبة مخيفة ومثيرة للدهشة.
انتهى المشهد بدخول امين المكتبة و تحول المكان من مقبرة ملكية الى ميدان لا مجال للوقوف فيه ، لم ينم الليل كله ، بدا وجهه شاحبا ، لم يعطِ لنفسه استراحة حتى انه لم يتناول فطوره ، توجه مسرعا الى ابراهام ورآه بمنظره المعتاد، ابلغه التحية ، فتوجها مسرعين الى غرفته ، دعاه ابراهام للجلوس وبدأ الحديث عن اختيار موضوع الاطروحة :
– بأي مجال قررت ان تكتب يا هندرسون؟
– اعتقد اني سأكتب عن حياة ” النبي يونس الاجتماعية” فقد قرأت ليلة امس كتبا استحوذت ذهني و قرارة تفكيري .
– ان الرغبة شيء و توفر المصادر عن الموضوع فيه شيء اخر.
– اعلم يا سيدي ، فهناك مصادر كثيرة تتحدث عن مجال بحثي ، واعتقد انك لن تخذلني في العثور على المزيد.
– لك ذلك ، ولكن هناك خطوة مهمة يجب ان تفعلها قبل ان تبدأ بالاعتماد على المصادر تلك ، وهي الاهم في مجال بحثك.
– ماهي يا سيدي؟
– كما تعلم ان النبي ” يونس”يقال انه مدفون في العراق وتحديدا مدينة “نينوى” فهل تستطيع ان تزور العراق ؟ وتطلع على الاثار هناك ؟
ما ان سمع هندرسون هذا الكلام حتى توقف قلبه ، فزيارة العراق اقرب الى المستحيل منها الى التحقق في ظل الاوضاع المضطربة هناك ووجود الجيش الامريكي فيها.
– ولكن يا سيدي ، الا يمكن ان….؟
– اسمع يا بني ، لاتقلق بشأن الزيارة ، فلدي اصدقاء هناك ، بامكانهم مساعدتك طيلة وجودك هنا ، وسابقى على اتصال دائم بك.
حمدا للرب ، قالها هندرسون وهو يمسك بقارورته المقدسة وخصلات شعره الذهبي تنسدل على وجنتيه ، ولكن دون ان ينفثها هذه المرة ، رمقه ابراهام بنظرة وقال ما هذه القارورة التي تحمل ؟
– لا تهتم سيدي ، ساخبرك عنها يوما ما .
– اذهب الان و استعد للرحلة .
بعد ان خرج من المكتب ، أخذ ابراهام هاتفه المحمول و اتصل باحد اصدقائه في العراق هو الجنرال جون آدمز يعمل في الجيش الامريكي بالعراق.
– كيف حالك يا جون ؟
– اووو مستر ابراهام ، ما الذي ذكرك بي ، انا بخير ، وانت كيف حالك ؟
– لي طلب عندك يا جون ، واتمنى ان تلبيه لي ، سيزور العراق احد طلبتي لاتمام بحثه هناك ، واتمنى ان توفر كل ما يلزمه من خدمات ، يجب ان يذهب الى نينوى وهو لا يعلم عن المنطقة شيء واخشى عليه مما قد يؤذيه ارجو ان توفر الحماية اللازمة له.
– طلبك مجاب ، فلك في القلب مكانة عظيمة مستر ابراهام.
في اليوم التالي اكمل هندرسون كل إجراءات السفر ورافقه الى المطار استاذه فتعانقا وكأن هندرسون هو الروح التي انسلخت لتوها من جسد ابراهام ، فأومأ له حافظ على قارورتك يا فتى.
وصل هندرسون مطار بغداد ، وكان الجنرال جون بانتظاره ، منظر غير مألوف لهندرسون ، فهو لم يخدم بالجيش فهاله المشهد و اصيب بدوار لانه يكره الاماكن المكتظة ، حاول اخراج نفسه من هذه الفوضى باستذكار شكل الكتاب الذي يرافقه بحميمية .
– هل انت هندرسون الذي حدثني عنه مستر ابراهام ؟
– نعم سيدي ، هل لي ان اسألك اين نحن الان ؟
– انت في مطار بغداد .
– ولكن هذا ابعد شكلا من كونه مطار.
– نعم ، هو قاعدة عسكرية للجيش الامريكي نستخدمه منذ ان دخلنا العراق ، واعتقد انك لم تأتِ هنا لتسأل عما يدور من احداث ، اليس كذلك ؟ قالها جون بنبرة غاضبة.
– نعم ، ولكن المشهد غريب نوعا ما عليّ.
– ستعتاد عليه طيلة بقاءك هنا ، فلن يخلو ميل واحد من وجود القوات العسكرية ، عراقية كانت ام امريكية ، فلا تقلق ، فانت في حماية جيش الولايات المتحدة الامريكية ، لقد ابلغني ابراهام انك ستذهب الى نينوى ، ونحن الان في بغداد التي تبعد عنها ما يقارب مائتي ميل ، يجب عليك ان تنتظر يومين لاكمال الاجراءات اللازمة لاقامتك هناك ، ولكن يجب ان تتخذ لنفسك مترجما .
– كما تعلم فان هذه هي زيارتي الاولى للعراق ، ولست على دراية بمثل هذه الإجراءات اتمنى ان تساعدني في ذلك.
– لن تكون هذه مشكلة ، و الان اذهب الى قاعة الصحفيين و خذ لنفسك راحة و استعد للرحلة .
طرد هندرسون كل المشاهد التي رآها في المطار ، وحلق بعيدا عن تلك الاجواء فلم يصدق نفسه انه سيرى اثار يونس ، وظل يحدث نفسه عن المشاهد التي سيراها ، وبدأ تخيلاته المعتادة وتساؤلات أصخبت رأسه ، اثناء تواجده هناك ناظره احد الجالسين فأدرك هندرسون انه عربي ، وعلى الارجح عراقي ، اقترب منه ذلك الرجل ، وتحدث بانكليزية عفنة كما وصفها هندرسون .فسأله الرجل الغريب :
– هل تحتاج الى مترجم يا سيدي؟
– نعم.
– انا اتلقى اتعابي في الساعة الواحدة (300 دولار).
تبسم هندرسون وتذكر ما يشاهده في بلاده عندما يسير بين الطرقات ويسمع مثل هذه الكلمات يرددها بعض بنات الليل وشبابه . قال وهو يبتسم :
– اليس ما تطلبه كثيرا يا …. ، ما اسمك ؟
– ساهي يا سيدي ؟
– حسنا يا مستر “ساخي” ساعطيك 30 دولارا عن كل ساعة تقضيها معي ، فهل انت موافق .
– نعم ، ولكن اسمي ساهي ، وليس ساخي .
بعد ان قضى هندرسون يومين في قاعة الصحفيين ، جاء اليه الجنرال جون وابلغه بان الرحلة الى نينوى ستكون في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل ، وسيستقبله هناك شخص يدعى وليام اوكتافيوس في مطار الموصل ، وسيتكفل بكل متطلباتك هناك.
وصل هندرسون ومترجمه ساهي الى مطار الموصل ، ولم يتأثر بمشهد المطار فما رآه في مطار بغداد جعله يألف هذا المشهد ، و التقى بــ وليام واتفقوا على ان تبدأ الرحلة العلمية في الصباح الباكر ومن خلال معرفة ساهي الذي اتضح انه كردي من الموصل فلن تكون هناك صعوبة اثناء قيامهم بالتجوال.
في صباح اليوم التالي وصلوا برفقة جنود الدورية العسكرية التي كُلِفت بمرافقتهم الى مقام “النبي يونس” مشهد لم يألفه هندرسون كثيرا ، بدأ ساهي يحدثه عن المكان فذكر له بأن المكان هو الذي كان النبي يونس يدعو فيه الناس الى عبادة الاله الواحد وكان الماء يغطي هذه المنطقة كليا ، فقج قذف الحوت النبي هنا ، وجلس قرب شجرة العنب!! ، قاطعه هندرسون وهو يرفع خصلات شعره عن عينيه ، اعد ما قلته لتوك يا ساخي ، هل قلت شجرة العنب ، يا الهي ، انها شجرة اليقطين يا ساخي وليست عنبا .
لم يؤثر ذلك التصحيح على ساهي واستسرسل في حديثه ، وحتى ان هذه المنطقة باكملها تسمى الى الان منطقة النبي يونس ويأتي الناس من كل مكان للتعبد و الصلاة و زيارة النبي وطلب المعجزات منه ، مما دفع اصحاب المحلات التجارية ان يسموا محلاتهم باسمه ، حتى انه يوجد في هذه المنطقة ” حمام النبي يونس” .
يا الهي ، قالها هندرسون وهو يستعرض كال ما تحدث فيه عن هذا النبي مع ابراهام ، وظن بان الحلم سيتحقق فدراسة الحياة الاجتماعية لهذا النبي ستأخذ منحى اخر بالعثور على هذا الاثر التاريخي الذي لم يسبق لاحد ان اكتشفه من قبل ، حتى ابراهام لا يعرف به وهو الذي قضى معظم حياته هنا ،وبدأت الاحلام تتنزل على هندرسون كأنها ملائكة تهبط من السماء فرحة ممزوجة بنشوة الانتصار ، فاتصل على الفور بابراهام :
– لن تصدق يا سيدي ماذا اكتشفت ، انه شيء لا يصدق ، اتمنى لو كنت معي الان.
– على رسلك يا هندو ، قالها ابراهام وهو يتذكر ايامه الاولى هناك ، واحلامه التي لم تحقق بعد ، ماذا اكتشفت هيا اخبرني.
– لن تصدق يا سيدي ، كم انا سعيد بما اكتشفت ستحقق احلامك اخيرا وسيكون هذا الانتصار لكلينا معاَ.
– ماذا تقول … انقطع الاتصال وعاد هندرسون لساهي .
هل تستطيع ان تدلني على مكانه يا ساخي ؟
– نعم استطيع ولكن ما علاقة ذلك بمجال بحثك ؟ قلها و الشده باديا عليه .
– ان له علاقة وطيدة بل هو مجال بحثي ، دلني عليه بسرعة يا ساخي.
دخلا السوق المزدحم ، أسِفَ هندرسون لوجود مثل هذا الاثر التاريخي في هذا المكان ، فاشار ساهي الى قطعة حديدية مكتوب عليها “حمام النبي يونس للرجال ” هذا الحمام يا سيدي ، ولكن ما معنى ان تكتب اللافتة بهذا الشكل ؟ ولماذا كتب للرجال؟
ضحك ساهي ضحكة شديدة بانت منها نواجذه ، انه حمام عمومي يا سيدي ، كالحمامات العمومية الموجودة في كل مكان .
انهارت الاحلام كلها ، سقط هندرسون صريعا ، وهو يولول وا حسرتاه على ما ضيعت من نشوة ، ليتني لم اسألك عن هذا يا ساخي .
طلب هندرسون من الجنود المرافقين له بالرجوع الى المطار ليستريح مما اصابه من الخذلان ، وفي طريق العودة ، انفجرت عبوة ناسفة كانت مزروعة علا جانب الطريق راح ضحيتها هندرسون وساهي و من معهم من الجنود.
الا ان القارورة نجت وأرسلت الى المستر ابراهام على الفور.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s