شتات نينوى في باريس.
افتح صندوق البريد كل يوم صباحا، اجد رسائل بعضها مهمة، وبعضها مجرد رسائل ترويجية.
هذا اليوم كان مختلفا تماما، نعم استلمت قبل ذلك رسائل غاية في الاهمية، مؤثرة، و جميلة في الوقت ذاته، لكن هذا الصباح، وجدت ورقة اشعار تعلمني ان هناك رسالة قد وصلت، وان استلامها يتطلب الحضور شخصيا الى مكتب البريد واثبات الهوية والتوقيع ثم يمكن بعد ذلك استلامها.
قلت في نفسي، وانا احاول فهم محتوى الرسالة جيدا، باحثا بين الارقام، استخدمت الكود المدون في الرسالة لاعرف موقع الرسالة الواردة، لكن موقع البريد الفرنسي تعذر وأكد مرة اخرى على ضرورة حضوري الى مكتب البريد شخصيا.
كنتُ قبلها بيوم قد ارسلت رسالة مهمة وعاجلة، واستخدمت خاصية اشعار التسليم بالايصال، فقلقت، وقلت ربما عادت الرسالة ولم تصل، لا شيء واضح على هذا الاشعار الاصفر.
قلت، لاذهب الى المعهد الان، وفي وقت الاستراحة اجد طريقة لحل معضلة هذا البريد الغامض، وبينا انا انسخ مخطوطة من قره قوش عن حصار نادر شاه للموصل، وادخل في تلك التفاصيل التي يرويها الراهب القره قوشي المجهول الاسم، ويتحدث عن بسالة الموصليين في مواجهة نادر شاه الذي سماه طهماز خان، ويسرد تفاصيل اللجوء الى الموصل للاحتماء بها وباهلها، قرع في رأسي جرس الح عليّ كثيرا، انا انتظر رسالة مهمة جدا، ربما تكون قد وصلت وهذا الاشعار بها؟
نعم، لانها مهمة، ولانها مهيبة لا بد ان يكون هذا الاشعار لاجلها.
تركت كل شيء مسرعا، قالت زميلة مكتبي، ما بك؟ لماذا انت مسرع هكذا؟ قلت لها وصل اشعار برسالة مهمة، ويتطلب الامر حضوري لاستلامها، وانا اشعر بالارباك لانني ارسلت بالامس رسالة واخشى انها لم تصل، فقالت دعني ارى الايصال، فطمأنتني وقالت هذا اشعار برسالة واردة وليس رسالة عائدة، شكرتها وخرجت مهرولا.
وصلت مكتب البريد، قدمت الاشعار، فطلبت الموظفة وثيقة تثبت انني الشخص المعني، اتساءل في نفسي لماذا كل هذا الالحاح؟ لماذا التأكيد على هويتي وانني انا الشخص المعني الذي وصلته الرسالة، يا اله السموات، ماذا تحتوي هذه الرسالة؟
اعطيتها بطاقة التعريف، وبدأت بالبحث، ادخلت رأسها في جهاز الحاسوب، ولم تخرج بشيء، قلت لها لعلها كتبت الارقام بشكل غير صحيح، فصححت لها الرقم، وقالت نعم وجدتها، اخذت رقم الطرد ودخلت الى غرفة بابها سميك جدا، لابد ان يكون الباب هكذا، لابد ان يكون موصدا باحكام لان ما وراءه لا يمكن ان يقاس بالاثمان.
بحثت مطولا وعادت، ثم قالت لم اجد شيء، هل تعرف محتوى الطرد؟
قلت بسرعة مفرطة نعم، كتاب!
اخبرت نفسي ان هذا الطرد هو الكتاب الذي انتظره، فقالت شكرا مرة اخرى.
ثم عادت، عرفت فورا انه هو.
كان الطرد هو شتات نينوى الذي انتظرته، للروائية الموصلية غادة رسول  التي قرأت رواياتها سرا في الموصل، لكنني الان استطيع ان اقرأ الرواية علنا، ان اخبر الآخرين عنها، ان اقول لهم ان هذه سيدة كتبت الموصل بحبر روحها، انها عاشت كل شيء هناك فترجمته الى كلمات.
احببت الطوابع البريدية على الظرف، لم اشأ ان افتح الرسالة، كنت خائفا جدا ان اقرأ مابداخلها، لكنني وتحت سماء باريس وبجوار مكتبتها الوطنية او كعبتها كما اسميها، فتحت الطرد، فكان الكتاب المنتظر.
قرأت السطور الاولى، يا لقلب هذه الام التي تحب ابنها مرتين، حب ابيه الغائب، وحب قلبها له.

14285546_2139761362915788_787912836_o

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s