العودة الى الدين : قراءة في انقلاب تركيا


مشاهدات شخصية

في شهر آذار الماضي، كنت على طاولة الغداء مع صديقة تركية تدرس الدكتوراه في فرنسا، كان محور حديثنا حول التغيرات الكثيرة الحاصلة في تركيا، ويبدو انها تشارك الكثيرين من الاتراك بان سياسية اردوغان الخارجية دفعته الى احداث تغييرات كبيرة في الداخل التركي، قالت هذه الصديقة : تخيل ان اردوغان يسعى حتى الى ادخال اللغة العربية الى المدارس، انه يسعى لهدم ما بناه اتاتورك للامة التركية، والاخطاء التي ارتكبها هو واحمد داود اوغلو بخصوص التدخل بالحرب السورية جرت تركيا الى الكثير من الازمات، لقد اقنعه اوغلو بان الازمة لن تطول سوى اشهر قليلة، سنسمح بدخول السوريين الى اراضينا، وسيعودون اليها خلال الاشهر القادمة، لكن الحرب استمرت قرابة الخمس سنوات، لم اعد استطيع الذهاب الى اسطنبول، لانني اشعر بنفسي غريبة فيها، لقد تحولت اسطنبول الى مدينة بائسة بسبب اللاجئين، لدينا اكثر من 3 مليون لاجيء، واردوغان يستخدمهم لأحداث تغييرات داخل المجتمع التركي، وسيندم على ذلك”.

ربما تكون الصديقة مبالغة بعض الشيء، وطورانية ايضا، لكنها كانت تتحدث من منطلق التخبط السياسي الذي يقوم به اردوغان والذي سيكلف تركيا الكثير مستقبلا، ورغم موقفها هذا من اللاجئين الا انها عادت وغيرت رأيها بانها مع الوقوف الى جانب اللاجئين وحمايتهم، لكنها ضد تدخل بلادها بشؤون الدول الأخرى، وهذه وجهة نظر منطقية.

لا يمكن الاعتماد باي حال على رأيها وتعميمه على الآخرين، رغم ان هناك الكثير من الترك يشاطرونها الرأي، خلال فترة اقامتي في تركيا والتي استمرت قرابة الثمانية أشهر كان واضحا التأثر التركي بالتيار الإسلامي الراهن، وكان واضحا جدا في الأوساط التركية التأثير الكبير الذي تركته الحرب السورية وظهور دولة الخلافة في العراق، في إسطنبول، في شارع الاستقلال في تقسيم اعتدت زيارة مكتبة Insan Kitap لشراء الكتب منها، غالبا كانت تجري بيني وبين المكتبي احاديث تتعلق بالكتب التي ابحث عنها، وتقودنا الى نقاشات مرتبطة بمشاكل المنطقة العربية وبشكل خاص سوريا والعراق، كان ينتهي النقاش دوما بما جرى في مصر، واحداث رابعة العدوية.

تكررت مثل هذه النقاشات التي تحمل الطابع الإسلامي واستحضار الماضي العثماني للخلافة الإسلامية في اكثر من محفل مع أصدقائي الترك، التقيت بأحد رجال الاعمال الترك في إسطنبول وهو من الاخوان المسلمين ومن المؤيدين لسياسة اردوغان الإسلامية والتقرب من العرب، كان يتحدث عن اردوغان بوصفه مدافعا عن الإسلام وان سياسته الرامية الى تفعيل اللغة العربية ودعم كلية الالهيات في تركيا تصب في النهاية بمصلحة المسلمين، لان تركيا كانت في عهد الدولة العثمانية راعية المسلمين، وهو يتذكر السلطان عبد الحميد بحسرة وألم، ويغضب حين يستذكر اتاتورك وسياسته العلمانية التي أحدثها في تركيا.

يستحضر الأصدقاء الترك أيضا، في معظم أحاديثنا التي خضناها في تركيا، ولكن هذه المرة في مدينة صغيرة يفصلها عن إسطنبول بحر مرمرة، مدينة يلوا، المعروفة بتأييدها الكبير في السنوات الأخيرة لحزب العدالة والتنمية وسياسته الإسلامية ودعمه لكليات الالهيات في يلوا، وفي الانتخابات الأخيرة التي جرت في حزيران 2015 كنت حاضرا في احتفالات أنصار الحزب لفوزه.

يمكن وانت تمشي في مناطق كثيرة في تركيا ان تشعر بوجود حركة تيار إسلامي واضحة للعيان، مهما تعددت اشكالها، فالمواطنين يميلون الى الإسلام بشكل كبير، وتعلقهم او “عودتهم” الى الإسلام هي نتاج واضح للحرب التي تجري في العراق وسوريا، وأيضا اعلان الخلافة فيها، السياسية التي ينتهجها اردوغان تجاه الإسلام كانت نتيجة واضحة للصراع السني على الزعامة في المنطقة، تماما مثل الصراع السعودي على الزعامة السنية والتي تنازعها فيها دولة الخلافة حاليا، وجد اردوغان ان في هذه السياسة فرصة كبيرة لاحداث تغييرات جوهرية في المنطقة وقلب الموازين، لكنه ذهب بعيدا، وقد يجد نفسه في لحظة ما في طريق اللاعودة، فاطلاق التيارات الإسلامية تعني نتيجة واحدة فقط وصولهم الى اعلى درجة لتطبيق الشريعة الإسلامية التي تظهر نتائجها واضحة الان في العراق وسوريا.

الانقلاب العسكري

في باريس، التقيت يوم الجمعة 15 تموز، يوم قبل الانقلاب، بأصدقاء ترك، بحكم عملي ودراستي في معهد الدراسات التركية والعثمانية، كنا نتحدث كالعادة حول قضايا الشرق الأوسط والحرب الجارية فيه، وجرنا الحديث الى سياسة اردوغان، اظهروا مخاوفهم من المستقبل المجهول الذي ينتظر تركيا، بسبب الصراعات الجارية في المحيط الإقليمي لتركيا واثارها المستقبلية على البلاد، وجرت نقاشات طويلة، كانت نهايتها ان سياسة اردوغان ينبغي ان تركز على الداخل التركي وحل المشاكل التركية التي تتزايد، وسياسة اردوغان المتخبطة تجاه الصراع وتجاه القوى الكبرى، في اليوم التالي حدث الانقلاب، وراقبته عن كثب، لست خبيرا بالسياسة التركية، ولكن بعد فشل الانقلاب وظهور القوائم الجاهزة للاجتثاث كان جليا ان احد ما ساهم في خلق البيئة التي تقود الى الانقلاب، ورغم هذا لا استطيع إعطاء رأي لعدم توفر أي معطيات لدي تجعلني اخوض في هذا الموضوع، الانقلاب حدث وفشل، لكن اثاره مستمرة وستستمر.

لماذا حدث جدال واسع حول الانقلاب العسكري التركي في العراق؟

كانت ردة الفعل العراقية والسورية تجاه الانقلاب التركي مثيرة للانتباه، وكان يبدو على ردة الفعل هذه اثار الصراع والأزمات السياسية في العراق وسوريا بشكل دقيق وواضح، شعوب البلدين تاثرت بشكل بالغ بالصراع، وصارت تبني اراءها على ما يجري من احداث إقليمية وليس محلية، لقد اظهر الانقلاب التركي الانقسام الحاد في المجتمع العراقي، وكان واضحا بشكل دقيق أيضا ان سنة العراق يؤيدون اردوغان، وشيعته يؤيدون الانقلاب عليه، رغم ان اردوغان ومعارضيه يظهرون سياسية واضحة تجاه المحيط الإقليمي، سياستهم تتعلق بالامن القومي التركي، وفعل ما يتطلبه الامر لحماية هذا الامن، ورغم عدم معرفة العراقيين بتفاصيل ودقائق الأمور وتعقيداتها في تركيا الا انهم اظهروا تأييدهم، لكن تاييدهم لم يكن لاردوغان، كان تاييدهم للاسلام الذي شعروا انه منتصر في تركيا، وان اردوغان وفر البيئة اللازمة لحماية الإسلام الذي يشعرون انه تعرض للسرقة في العراق وسوريا، نصرة سنة العراق لاردوغان كان بحثا عن الأمان المفقود الذي وجدوه في تركيا، والحال نفسه في مصر، بين انقسام لمؤيد ومعارض.

وظهرت تغريدات كثيرة على تويتر تتحدث بهذا الخصوص وبالدعم الواضح للاسلام ونصرته عبر استخدام اردوغان لرجال الدين ومكبرات الصوت في الجوامع لضرب الانقلابيين :

والكثير من التغريدات التي استخدمت هاشتاكات كثيرة مثل #الانقلاب_الفاشل

#تركيا_تنتصر_على_الانقلاب وغيرها

ان نصرة السنة لاردوغان هو نتيجة الصراع السني السني، بين الخلافة الإسلامية و الدول السنية الأخرى، هذا التاثير للصراع ولد فجوة كبيرة في المجتمع السني، وهذه الفجوة دفعته للبحث مرة أخرى عن جهة يتكأ اليها، وهي الذاكرة التاريخية سريعة الاستحضار في المجتمعات السنية، حتى تعدى الكثيرين الامر لتأييد احكام الاعدامات التي صدرت بحق الانقلابيين :

لقد أحدثت الحرب في المجتمع العراقي تاثيرا كبيرا في تحفيزه للعودة الى الدين والتي تحدث عنها دريدا كثيرا، ان المجتمعات الان تميل للعودة الى الدين والتمسك به والتحفيز على إعادة تطبيقه.

انظر : Derrida and the Return of Religion
ربما ستشهد الأيام القادمة تغيرات كبيرة على المستوى الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط، فالدول الدينية بدأت تزدهر، وطالما الحرب مستمرة فيها فان الأديان ستزدهر أيضا، والشعوب ستميل للتدين مرة أخرى، مع فشل الديمقراطية واستحواذ المستبدين عليها وتغيير انماطها، واستحضار التاريخ وتحفيزاته الكبيرة والمؤثرة كلها مؤشرات على عودة الأديان للسيطرة على المجتمعات.

ان الاديان القديمة نشأت للحاجة المجتمعية، وتطورت نتيجة عدة تاثيرات بيئية واقتصادية وسياسية، ونحن اليوم نشهد عودة مرة اخرى لهذه الحاجة التي تلح على المجتمعات للعودة الى الاديان، او عودة الاديان مرة أخرى.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s