مركز الحسو : تجربة رائدة في الدراسات الكمية


عمر محمد –  باريس ، 2016 

باحث في مركز الدراسات العثمانية والتركية والبلقانية – EHESS – CETOBAC – باريس 

اسئلة تؤرق كل من يعمل بحقل الدراسات التاريخية، وربما هي الاسئلة التي تحدد مسار الدراسات، من هو المؤرخ؟ وما هو التاريخ؟ وهل التاريخ علم ام فرع من فروع الأدب؟ 

ولكن السؤال الاهم بالنسبة لي : كيف نقرأ التاريخ؟ وكيف نتعامل مع التراث، سواء كان التاريخ علما ام لا، فاليات التعامل معه تحدد اهميته ونتائجه، لان التاريخ ليس مجرد نصوص مكتوبة، ولا هو ادب او علم، انما يتحدد التاريخ بما نستخلصه من نتائج، ولهذا فان تطبيق العلوم على التاريخ تعد الاكثر اهمية في الوقت الراهن، ذلك انها تستخرج لنا نتائج بعيدا عن الاحكام الذاتية على التاريخ.

المنهج الكمي في الدراسات التاريخية Quantitative Approach
هل يمكن احصاء التاريخ؟ هل يمكن تطبيق الرياضيات على التاريخ؟
يمكن البدء بمحاولة المنهج الكمي وعلاقته بالتاريخ من خلال طرح هذه الاسئلة :
 
هل ينبغي استخدام المنهج الكمي في دراسة التاريخ؟
ما هي الجهود والخطوات التي ينبغي اتخاذها لتطبيق الاساليب الكمية على التاريخ؟ اي نوع من الاساليب ينبغي ان تستخدم في دراسة التاريخ؟ هل استخدام الاساليب الكمية ستجعل من التاريخ علم؟ اي نوع من قضايا التاريخ ينبغي استخدام الاساليب الكمية في دراستها؟
ماهو الدور الذي ينبغي ان تضطلع به الاساليب الكمية في تدريب الخريجين من طلاب التاريخ؟ ما الذي مكن عمله للتغلب على مشكلة التواصل والاستمرارية في النصوص التاريخية؟
كيف يمكن استخراج بيانات من النصوص التاريخية؟
 
هذا الكتاب يحاول الاجابة على مثل هذه التساؤلات والتي تقودنا الى فهم جديد للتاريخ، من خلال تحويله الى ارقام واحصاءات، وبالتالي محاولة فهم الاحداث التاريخية بمعزل عن التأثير الايدولوجي للنص، والتعامل مع النص باعتباره ورقة بيانية يمكن احصاءها واستخراج ارقام منها، ورسم خارطة واضحة للاحداث والفاعلين في التاريخ.
المنهج الكمي هو الفرصة للتغلب على الكثير من مشكلات التاريخ واهمها مشكلة السرد.
وسنقوم من خلال مركز الحسو للدراسات الكمية والتراثية بترجمة فصول من هذا الكتاب وتلخيصها ووضع خطة عمل ملخصة عن المنهج الكمي وتطبيقاته في الدراسات التاريخية.
ولابد هنا ان انقل ما كتبه الاستاذ الدكتور احمد الحسو في الذكرى الرابعة لتأسيس مركز الحسو للدراسات الكمية والتراثية، ولعله هو خير من يعبر عن المشروع :

في الذكرى الرابعة
لتأسيس مركز الحسو للدراسات الكَمِّية والتراثية
بقلم : أ.د.احمد الحَسُّو

مع شهرنا هذا ( آذار 2016 م ) يكون قد مضى على تأسيس مركز الحسو للدراسات الكَمِّية والتراثية اربع سنوات ،وهو ما يدعونا – نحن الهيئة المشرفة على المركز، رئيسا واعضاء – الى ان نقف امام مسيرتنا فيه حتى الآن، وقفة تقييمية ونقدية، نأمل ان يصار من خلالها الى بناء خطة مستقبلية للسنوات القادمة بعون الله ، وانني لادعو الزميلات والزملاء الافاضل اعضاء الهيئة المشار اليها، ان يدلوا بدلوهم وان يشخصوا مواضع السلب قبل الايجاب في مسيرتنا هذه، وهاأنذا اضع بين ايديهم وايدي الأصدقاء كافة رؤيتي لمسيرة المركز عبر سنواته الاربع في سلبها وايجابها، متطلعا الى إغنائها
من قبلهم بما يحقق الهدف المنشود .

المنهج الكَمِّي.. لماذا ؟

منذ بداية تاسيس المركز ( 08\03\2012 م) ، انصبت أدبياته على اشاعة ثقافة المنهج الكَمِّي الإِحصائي ،والدعوة الى التعامل مع اوعية المعلومات التاريخية بشتى اشكالها ، تعاملا كميا ؛ اي بتجزئة ما تتضمنه المادة التاريخية من معلومات مباشرة او غير مباشرة ، او مستنتجة ضمنا، الى
مداخل( رؤوس موضوعات ) بحيث يشكل كل مدخل فيها وحدة متماثلة قابلة الى ان تُحَمَّلَ في جداول احصائية وفي إطار برنامجَيْ : (اكسل ) و (إِس بي إِس إِس)، بهدف الحصول على نتائج ودلالات رقمية و رسوم بيانية ، ومن ثم اخضاع تلك النتائج للنقد بموجب قواعد منهج البحث التاريخي ؛ ظاهرا وباطنا ،وتحليلا، من اجل تحديد مدى اتساقها زمانا ومكانا ومضمونا، وتحديد نسبة الجزء فيها الى الكل ،وعلاقة الكل بالجزء، والاجزاء ببعضها؛ تجريحا وتعديلا، بما يقرب من الحقيقة التاريخية ويسقط عنها ما علق بها مما هو ليس منها .

ومع ان هذا الذي دعا اليه المركز، ليس امرا جديدا ، كونه – من حيث الجوهر- جزء لا يتجزأ عن (منهج البحث التاريخي ) المعروف في قواعده واصوله ، بيد ان الجديد فيه، هوان المنهج الكَمِّي يوفر قواعد وآليات فنية واحصائية جديدة لم تكن مستخدمة من قبل في الدراسات التاريخية،إضافة الى انها ذات قدرة عالية في تمكين الباحثين من استخلاص الحقائق التاريخية ،واسقاط ما ليس منها، مما قد يكون اقحم عليها سندا ومتنا.

وتأتي اهمية استخدام هذا المنهج من كونه ضرورة علمية اولا ثم انه الحل الامثل لتنقية الثقافة التاريخية السائدة في عصرنا هذا مما علق بها مما هو غريب عنها .
لقد تعاملت شعوبنا مع حاضرها ومستقبلها في ضوء ماض تشكل لديها بما يتلاءم مع معطيات خلفياتها الثقافية والفكرية، وايحاءات عقلها الجمعي وقد ساعد هذا على ان تمتزج الحقيقة مع الخرافة ،والصواب مع الخطأ والحق مع نقيضه، وما هو ثابت بالدليل، بما لا دليل عليه ،وأدى الى غلبة ما هو اسطوري على دواعي العقل والمنطق ،فصار التاريخ كما تعكسه الثقافة السائدة ، تاريخا مصنوعا له اكثر من شكل، يتلون بحسب خلفية قارئيه واهوائهم ،ومدى قربهم او بعدهم من آليات البحث وقواعده ، ولابد هنا من التنويه اننا هنا نتحدث عن الثقافة التاريخية السائدة وليس الدراسات التخصصية التي قدمها مؤرخون أكفاء، وان كان تأثيرهذه الدراسات ظل محصورا في الدوائر الاكاديمية .

امام هذا الواقع ، كان لابد من الالتزام بتطبيق المنهج الكَمِّي الإِحصائي واشاعة ثقافته بين جمهور الباحثين والشباب منهم بشكل خاص، فهو الطريق الأمثل الذي يوصلنا الى التاريخ الحق ويخلص الثقافة التاريخية السائدة من سلبياتها ومما هو طاريء عليها .
ولقد كان هذا هو ما دفعنا الى تاسيس مركز الحسو للدراسات الكَمِّية والتراثية ، فما هي خلفيات التاسيس ، ومن هي الهيئة المشرفة على ادارته ، والى اي مدى استطاع ان يحقق اهدافه ؟

الخلفيات وراء تأسيس المركز

تعود خلفيات تأسيسِ مركزٍ يُعْنَى بالمنهج الكَمِّي الإِحصائي، الى ما كان يدور من حوار خلال محاضرات كان لي شرف القائها على طلبة الدراسات العليا في جامعة مؤتة بالمملكة الاردنية الهاشمية (1995 -2008 م )، وكان من بين اهم ما نوقش فيها الإِشكاليات التي تعاني منها الدراسات التاريخية، وما تعكسه غالبيتها من خلل منهجي، جَرَّاءَ اعتماد اصحابها على مصادر منتقاة دون غيرها، او مصادر لم تحقق تحقيقا علميا، او بسبب إِغفال مصادر ووثائق اولية، بحجة عدم توفرها،او بتطبيق شكلي لقواعد منهج البحث التاريخي ،و تَسَبُّبْ ذلك في تغييب او تشويه جوانب من الحقيقة التاريخية.

وقد دعانا هذا الواقع الى ان نبذل جهدنا في تجنب هذه الاشكاليات في الرسائل والاطروحات التي تم انجازها في قسم التاريخ بجامعة مؤتة. وقد حرصنا – انجاحا لخطتنا المتواضعة هذه – الى الاستنارة بالادبيات المنهجية الحديثة ؛ وأثاراهتمامنا في المقدمة منها : المنهج الكَمِّي الإِحصائي ،بما يوفره من آليات دقيقة يمكن معها الاقتراب من الحقيقة التاريخية، ولقد أثار استغرابنا ان الغربيين قد سبقونا بعقود الى تطبيق هذا المنهج في دراسة التاريخ، بل وفي دراسة جوانب من تاريخنا، في حين اننا لم نجد الا نَزْرَاً قليلا ممن سلك هذا المسلك في الدراسات العربية المعاصرة .
مرت تجربتنا في التعامل مع المنهج الكمي الاحصائي بمرحلتين:

المرحلة الاولى :
اعتمدت تجزئة المادة التاريخية ذات العلاقة الى مداخل ،وتعاملت معها تعاملا كميا احصائيا بجهد ذاتي ودون اللجوء الى البرامج الإحصائية ، ويشمل ذلك عددا من الرسائل العلمية واطروحات لكل من الدكتور هاني الرفوع والدكتور فتحي الشواورة والدكتور حمود آل سلمان وهو اسلوب اتبعه قبل هذه الحقبة(1947 ) الدكتور احمد الحسو في مجموعة من الدراسات نشرها في موسوعة الموصل الحضارية . وقد خرجت هذه الاعمال بنتائج امكن معها تقديم رؤى ونتائج جديدة .
المرحلة الثانية:

اعتمدت النهج ذاته ولكنها استخدمت الحاسب الالكتروني بشكل موسع وافادت من نظامي:(إِكْسِلْ ) و(إِس بي إِس إِس) وهي للدكتورة سوين الفاخري التي اختارت لدراستها مادة تراجمية موسعة غير محققة من كتاب ( الضوء اللامع لاهل القرن التاسع ) لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت 902 هـ )، لذا فقد تم اولا جمع اصولها الخطية وتحقيقها تحقيقا علميا دقيقا تمهيدا لتجزئتها الى مداخل متماثلة وبرمجتها ومن ثم تحليلها ،وقدخلصت هذه الدراسة الى تقديم نص محقق من جهة، والخروج بنتائج علمية جديدة لم تكن معروفة من قبل من جهة اخرى.

مع هذه النتائج المشجعة لاستخدام المنهج الكَمِّي ،وفي اعقاب انتهاء مهامي التدريسية في جامعة مؤتة، ( 2008 م ) كان لابد من الحفاظ على هذه التجربة، وعليه فقد اخذنا على أنفسنا (طلبتي وانا ) عهدا ان نواصل هذه المسيرة ،ونسهم في اشاعة ثقافة المنهج الكمي من خلال موقع يستحدث على الشبكة العنكبوتية، وهذا ما تم فعلا اوائل سنة 2012 م، بعد تفرغي للبحث العلمي في مقر اقامتي في انكلترة ، فقد انشىء (مركز الحسو للدراسات الكمية والتراثية )
www.ahmadalhasso.com

ثم جعلنا له في وقت لاحق صفحة اعلامية على موقع الفيس بوك باسم :
Alhasso Study Centre
انه مركز تطوعي مسجل ضمن الجمعيات التطوعية في انكلترة ، يقدم خدماته مجانا ويعمل برأسمال لا يتجاوز مائة باوند استرليني ،الى جانب راسمال آخر، هو الاهم والاساس ، يتمثل بما اشرت اليه من جهود وخبرات جمعت بيني وبين طلبتي بالامس وزملائي اليوم من المؤرخات و المؤرخين الشباب الذين تشكلت من مجموعة منهم الهيئة المشرفة، وهم : الدكتور احمد المجالي و الدكتورة اخلاص العيدي والدكتورة ايمان العدوان والدكتور حسـن عياش والدكتور حمود مضعان آل سلمان والدكتورة حنان خريسات والدكتورة سوسن الفاخري والدكتور فتحي الشواورة ، إضافة الى الباحث عمر جاسم الذي سعدنا بانضمامه مؤخرا الى الهيئة.
وهنا اجد ان من واجبي – ومن باب ذكر الفضل للفضلاء – ان اشير الى ان الجذور الاولى لهذا العمل الجماعي تعود الى مراحل اقدم بكثير من تجربتي في جامعة مؤتة ، فهي ترتبط بذلك الجو العلمي الرحب وبروح الحوار الذي عشته مع طلبتي،وعاشه طلبتي معي في كليات الآداب في جامعة الموصل بالعراق(1974- 1980)، ( 1984-1992) وجامعة وهران بالجزائر( 1980- 1983)،وجامعة التحدي في مدينة مصراتة في ليبيا ( 1992-1995)، والذي كان احد العومل المهمة في اغناء زخم ايماننا جميعا بان ثمة حاجة الى ان نرسي ثقافتنا التاريخية على ارض صلبة من العلم والنهج السليم والرؤية الموضوعية. ولابد لي ان اشير الى ان هذه المرحلة شهدت سنة 1974 فما بعدها اولى محاولات استخدام كاتب هذه السطور للحاسوب وللوسائل الاحصائية .

تحية الى كل اولئك الذين جمعتني بهم مقاعد الدراسة خلال اربعة وثلاثين عاما بين سنة 1973 -2008 م
وتحية الى الرعيل الاول من الذين كانوا اول من شجع على تاسيس المركز وشكلوا هيئته المشرفة وساهموا بآرائهم وبما حرروه من ادبيات
ان اهم ما يميز مركز الحسو ، انه مركز يقوده مجموعة من الشباب من المؤرخات والمؤرخين الشباب، يقف الى جانبهم و يصطف معهم شيخ يستمد قوته من ايمان شاب،يعمر روحه ويدفع به الى
امام من اجل خير الامة ورفع راية الحقيقة.

تحية الى الهيئة الاستشارية بمن ضمتهم من العلماء الاجلاء ، فقد كانوا خير عون واهم اسناد .
وبعد فتلكم هي الخلفيات التي تقف وراء نشاة مركزنا المتواضع .

الهيئة الاستشارية ودورها

كان توجه المركز نحو الفئات الشابة من المؤرخين واختيار الهيئة المشرفة على المركز منهم ، مقصودا ، فالجيل الجديد هم امل الامة في كل ميادين كفاحها، وهم – والاجيال من بعدهم – من يُتَوَقَّعُ له ان يلعب دورا في وضعها- اعني الامة – في المكان المناسب من حركة التاريخ ،اذا ما اعادوا قراءته بامانة واستخرجوا عناصر القوة فيه وازاحوا عنه عوامل التخلف والتراجع، بيد ان توجه المركز هذا ما كان له ان يأخذ طريقه الى التنفيذ ، دون الاسترشاد والاستعانة بمصدر الحكمة ومنبع العلم المتمثل بمجموعة كريمة من اساتذة الفكر والتاريخ الذين تشكلت منهم الهيئة الاستشارية للمركز والتي نتطلع الى ان تتسع العضوية فيها بانضمام شخصيات علمية اخرى.

لقد كان لهذه الهيئة طوال السنوات الاربع الماضية اثر كبير في إرفاد المركز بمقترحاتها ، وفي تلبية احتياجات الباحثين وطلبة الدراسات العليا والاجابة على تساؤلاتهم وتقديم المشورة اليهم ،ولا يسعني وانا استحضر اسماء هذه الشخصيات باعتزاز،الا ان اتوجه بالشكر الجزيل الى الاستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي( العراق) والاستاذ الدكتور هاشم يحيى الملاح (العراق) والاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف (العراق )والاستاذ الدكتور احمد قاسم الجمعة ( العراق ) والأســتاذ الدكـتـور فاضـــل بيــــات(العراق) والاستاذ الدكتور عبد الواحد طه ( العراق ) والاستاذ الدكتور جاسم محمد جرجيس( العراق) والاستاذ الدكتور ابراهيم عبد المنعم سلامة (مصر) والاستاذ الدكتور محمد الهادي ابو عجيلة( ليبيا ) والاستاذ الدكتور ذنون يونس الطائي ( العراق) والاستاذ الدكتور عامر ابو جبلة (الاردن).

واود هنا ونحن نحتفل بالذكرى الرابعة لتأسيس المركز،ان اذكر باعتزاز كبير أحد مؤسسيه الافاضل ،وعضو الهيئة الاستشارية فيه، وهوالمرحوم الاستاذ الدكتور زريف المعايطة استاذ تاريخ صدر الاسلام والدولة الاموية في قسم التاريخ بجامعة مؤتة بالمملكة الاردنية الهاشمية،كما يسرني ان اعلن قرارالهيئة المشرفة على المركز؛ رئسيا واعضاء ، بتخصيص لوحة شرف دائمة باسمه ونشر اعماله العلمية تحية اليه وتقديرا لدوره الكريم تغمده الله برحمته ورضوانه .

انجازات المركز واخفاقاته

كان من اهم اهداف المركز التي اعلن عنها عند تأسيسه ، العمل على اشاعة ثقافة المنهج الكمي في الاوساط العلمية والبحثية ، وقد تحقق قدرمعقول في تحقيق هدفنا هذا عن طريق نشر وترجمة عديد من الادبيات المدونة والمسموعة المتعلقة بمفهوم هذا المنهج وكيفية تطبيقه في الدراسات التاريخية ،كما تم التحاور عبر وسائل الاتصال المختلفة مع مجموعة من الباحثين للتعريف بهذه الثقافة وتوضيح أهدافها وآلياتها، بيد اننا مع ذلك لم نستطع ان نحقق حضورا ملحوظا في اوساط الدوائر التاريخية واقسام التاريخ ، ويبدو لنا ان هذا يرجع الى وجود هوة واسعة بين التطبيق التقليدي لمنهج البحث التاريخي المتبع في الدراسات التاريخية والذي اعتاد عليه الباحثون، وبين ثقافة المنهج الكمي التي تقتضي تعاملا مختلفا مع المادة التاريخية، ومعرفة بعلم الاحصاء وببرامج فنية معقدة ، لذا فاننا سنسعى في خطتنا المستقبلية الى تحقيق امرين اولهما تبسيط هذه المتطلبات وتقديمها بصيغ تقربها الى اذهان الباحثين وتحببها اليهم ،وثانيهما العمل على ترجمة الادبيات الغربية عن هذه الثقافة الى اللغة العربية لكي تكون في متناول الجميع .

ومع ان عددا من اعضاء الهيئة المشرفة ،ابدوا رغبتهم- مشكورين – بالمشاركة في تحقيق هذين الهدفين، الا ان الامر يتطلب تحركا اوسع و تعاونا واسنادا من المؤسسات العلمية التي تمتلك امكانات مالية وفنية وبخاصة فيما يتعلق بترجمة الادبيات الواسعة الخاصة باستخدام المنهج الكمي في الدراسات التاريخية من الانكليزية وغيرها من اللغات الاوربية الى اللغة العربية، وسوف نقوم من جهتنا بالاتصال بهذه المؤسسات للحصول على هذا الدعم ،فلعلنا ننجح في تحقيق هذا الطموح .

واود هنا ان اشيد بمبادرة عضو الهيئة المشرفة الباحث الفاضل عمر جاسم الذي بدأ – مشكورا – ترجمة نصوص مختارة من كتاب مهم بالانكليزية يقدم مادة رئيسية لفهم اليات وادوات التاريخ الكمي.

ولعل من اهم ما حققه المركز ، نجاحه في تكوين شبكة من العلاقات البحثية مع باحثين من كل من : العراق والاردن ومصر وتونس وليبيا والجزائر، قدمت خلالها اجوبة استفساراتهم عن المنهج الكمي واسلوب وآليات تطبيقه ،وتحاور معهم بصدد ما اقترحوه من عناوين وخطط لاطروحاتهم وقد قام بهذه المهمة الدكتورة سوسن الفاخري عضو الهيئة المشرفة على المركز وكاتب هذه السطور ، ونحن سعداء ان بعضا منهم يقومون حاليا بكتابة اطروحاتهم للماجستير والدكتوراه بموجب هذا المنهج ، كما اعتمده عدد من باحثينا في مركزنا هذا ، وهم يواصلون – مشكورين – جهودهم الرائدة هذه ،بيد اننا لا نستطيع القول ان هذه الشبكة البحثية ،قد حققت طموحاتنا فما زال الاقبال محدودا، نجد انفسنا معه ،امام حتمية البحث عن وسيلة تخرجنا من النفق الضيق هذا .

ختاما اود الاشارة الى هدفين رئيسيين سعى المركز الى تحقيقهما لانهما يوفران بيئة علمية مناسبة لكي يكون تطبيق المنهج الكمي الاحصائي ممكنا ودقيقا ،ونعني بذلك ما طرحناه خلال السنوات الاربع الماضية ،بصدد ضرورة حماية الأدبيات الخطية بشتى اشكالها من ان تقع في ايد غير مؤهلة علميا لعمل كهذا ، فتفقد كثيرا من قيمتها العلمية، مما يجعل مادتها ( وبقدر تعلق الامر بتطبيق النهج الكمي ) غير قابلة للتجزئة الاحصائية الدقيقة ، لان ما بني على خطأ لا ينتج الا خطأ ، مع ملاحظة اننا هنا نتحدث عن قضية احصائية رياضية بحتة لا مجال فيها الى تجاوز حالة كهذه . ان تحقيق هذا الهدف يتطلب عناية المؤتمرات الخاصة بالمخطوطات والوثائق،ويقتضي اتفاقا بين المؤسسات المعنية بالمخطوطات والوثائق في انحاء العالم حول الاسلوب الامثل لحماية التراث من جهة وتحديد الشكل والجهة او الجهات التي يمكنها ضمان تحقيقه. وها نحن هنا نرفع صوتنا ثانية آملين ان يسمع هذا الصوت ويصار الى حل ينقذنا من فوضى التعامل مع التراث
،اما الامر الثاني الذي سعى اليه المركز فهو يقع في الاطار ذاته، ويتبنى دعوة كان قد اطلقها أ.د. احمد الحسو في مؤتمر حطين في بغداد سنة 1988 لتخليص المخطوطات والوثائق الخطية من حالة التداول المحدود عبرالمكتبات والدورالوطنية للمخطوطات في العالم ،الى حالة التداول المفتوح عن طريق انشاء قاعدة معلومات نصية الكترونية لكل المواد الخطية يكون من السهل على الباحثين الرجوع اليها . ومع ان ثمة قواعد معلومات نصية الكترونية اخذت طريقها بشكل واسع على الشبكة العنكبوتية في ايامنا هذه، وان بعضها يعرض نصوصا خطية ، الا ان تركيزها منصب على المصادر المطبوعة، كما انها قواعد منفصل بعضها عن بعض ،لا تحكمها جهة مركزية تنسق بينها، مما يجعل الحاجة قائمة وملحة الى تبني مشروع انشاء القاعدة المقترحة من قبلنا ، واننا نعد بمواصلة الدعوة الى تنفيذها

علاقات المركز مع المؤسسات العلمية

نجح المركز في اقامة علاقات تعاون مع عدد من المراكز العلمية في مشرق الوطن العربي ومغربه، كما عقد مذكرة تفاهم مع دورية كان التاريخية الالكترونية بتاريخ 27\02\2013 م ؛وهي دورية تتمتع بمكانة علمية رصينة . وقد كان من ابرز بنود المذكرة تشخيص الطرفين لغياب الوعي باهمية المنهج الكمي الاحصائي في ارجاء الوطن العربي ، وحرصهما على اشاعة الثقافة المنهجية هذه بين الباحثين وطلبة الدراسات التاريخية الاولية والعليا، ودعوتهما اقسام التاريخ في الجامعات العربية الى تدريس مادتي الاحصاء والمنهج الكمي ضمن مواد السنة التحضيرية لطلبة الماجستير والدكتوراه . ومما نصت عليه المذكرة رغبة الطرفين بتنشيط حركة نقد وتقييم النصوص المحققة حماية للتراث من ان يقع في ايد غير مؤهلة، ومن ان يحقق تحقيقا تجاريا بعيدا عن القواعد المعروفة في علم تحقيق النصوص . واننا نطمح الى توسيع علاقاتنا مع المؤسسات العلمية ذات العلاقة ، كما نأمل ان نحقق اتصالا وتعاونا مع الدوائر التاريخية في الجامعات والمؤسسات الاكاديمية.

خاتمة وبداية
لقد القينا في السطور السابقة ضوءا على مسيرة ( مركز الحسو للدراسات الكمية والتراثية ) طوال السنوات الاربع الماضية، وعرضنا الى المجالات التي حققها والى العقبات التي واجهها أيضا، كما عرضنا الى ما يجب ان يتم علاجا لذلك ، مما نامل ان نتوفق في تحقيقه.

في ختام حديثي هذا اود ان أخاطب المؤرخات والمؤرخين الشباب ،وبخاصة اولئك الذين تحملوا المسؤولية معنا في حمل أمانة المركز، فاستوحي ما سبق ان قلته في كلمة لي عند بداية مسيرتنا قبل اربع سنوات ،من ان الثقة بكم كبيرة ، واننا سننجح في اشاعة اوسع لثقافة المنهج الكمي ،( فالامة اليوم ليست بحاجة الى شيء حاجتها الى فهم علمي توثيقي إحصائي للتاريخ والتراث، يخلصها من براثن واغلال اية ثقافة لا تستند الى منطق او دليل ،وينقي ذاكرتها التاريخية مما لحق بها من شوائب، ويمكنها ان تتحرك لبناء مستقبلها ومستقبل اجيالها القادمة )

ان ما عبرتم عنه في كتاباتكم وتعقيباتكم طوال السنوات الاربع الماضية، والذي عكس حماسكم وحرصكم على اشاعة ثقافة المنهج الكمي والعمل بها، هو الزاد الذي يدفع بي للعمل في هذا الاتجاه ليلي ونهاري ،واذا كان المجال غير متسع لذكر نصوص كلمكم ، فدعوني انقل لكم ،وانا اختتم كلمتي احتفالا بذكرى عزيزة علينا، آخر نص وصلني قبل ايام من مؤرخ شاب يحمل ذات الروح التي تحملون ،يقول فيه :
(الدراسات الكمية هي سمة مراكز الدراسات العالمية الان،
وتطبيقها على التراث الاسلامي ، فرصة لنقل دراساتنا للنصوص من النطاق المظلم الى النور، لانها ستؤهلها لان تكون مشاريع قراءات جديدة)
تحياتي لكم مع بداية جديدة لمركزنا الذي نحب.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s