قراءة في العوامل الاقتصادية لحروب الردة (1)


قراءة موجزة في “حروب الردة”

(1)

“أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ، عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله تعالى رواه البخاري ومسلم”

هددت ثورة القبائل العربية التي عرفت اصطلاحا “الردة” بعد وفاة النبي محمد أصل الاسلام وقوامه ودولته في المدينة، وهددت النظام الذي بناه النبي فيها من تحالفات مع القبائل العربية، ولادراك الزعامات القبلية في المدينة لضعف القيادة الجديدة بعد النبي سعت فثاروا ضد الزعيم الجديد للمدينة ابي بكر، واعلنوا ان كل الاتفاقيات التي ابرمت مع النبي محمد باطلة ولاغية.

ساعين بذلك الى استعادة نفوذهم ونظامهم القبلي القديم، والتخلص من سلطات المدينة الجديدة، ليمنحهم فرصة استعادة العلاقات التجارية مع مكة التي كانت فاعلة في مرحلة الجاهلية، وبدأوا بالتفاوض مع المكيين من اجل تفعيل الاتفاقيات القديمة مع القيادة المدينية العربية والقائمة على مبدأ عدم الاعتداء.

واقترح بعض زعماء المدينة انشاء تحالف للدفاع عن المدينة، وحمايتها من هجمات القبائل الأخرى في مقابل توفير صندوق نقد يجري تمويله من العوائد من التجارة التي ستعود الى المدينة كالسابق.

رفض ابو بكر التفاوض مع زعماء القبائل باي شكل من الاشكال، وقرر اعلان الحرب ضد القوات العربية وزعامات المدينة وقبائلها والقبائل المحيطة بالمدينة.

ونجحت القوات الاسلامية التي بعث بها ابو بكر في سحق التمرد واعاد قبائل شبه الجزيرة العربية المتمردة الى سلطة المدينة، مؤكدا بذلك بقاء تحالفات المدينة على حالها كما كانت على عهد النبي.

وبعد ان اعاد النظام الى المدينة وقمع تمرد الزعامات العربية في المدينة المنورة واعاد اخضاعها وضمن الولاء، بدا بارسال قوات القبائل تحت قيادة المدينة نحو الشمال وعلى الحدود الشرقية لشبه الجزيرة العربية، وبالتالي بدأت الفتوحات الاسلامية القوية في فارس والامبراطورية البيزنطية.

قراءة بعض المعلومات عن نصوص “الردة” قد تفتح الباب وتساعد في توضيح وجود جوانب “اقتصادية” (غير دينية) بشأن تمرد القبائل العربية.

حين يجري الحديث عن الردة لا يستشهد الا بحديث واحد عنها، وهذا الحديث يضع الشروط الملزمة للانسان حتى يبقى مسلما، وماذا يلزم فعله في حالة مخالفة تلك الشروط، ومسالة ما اذا كان من المناسب شن حرب على من يخالف تلك الشروط.

جرت مناقشة مصطلح “الردة” كثيرا من قبل الباحثين المتخصصين بدراسات الاسلام المبكر، ويشار غالبا الى نشوءه مع بدء حروب الردة، لكنهم في الوقت ذاته يمنحون تلك المرحلة صفة “ثورة اجتماعية وسياسية”، وثورة اقتصادية بشكل رئيسي قامت بها القبائل ضد نظام التحالف الجديد الطاريء على المدينة، وضد الهيمنة المدينية الجديدة التي ضربت المصالح التجارية والتي تشكل العنصر الاساسي للعلاقات بين القبائل العربية، فالتجارة هي اكبر رابط بين القبائل العربية.

ظهر الأثر الاقتصادي الناتج عن اعتناق القبائل العربية للاسلام في نصوص مبكرة من التراث الاسلامي، يناقش الشافعي تجارة قريش المعتادة وترحالهم الى سوريا والعراق للمتاجرة ببضائعهم، وبعد تحولهم الى الاسلام اظهروا مخاوفهم للنبي بشأن احتمالية معاناتهم مع “الكفار واتباعهم” بعد ان اصبحوا مسلمين، وقد يثير تحولهم للاسلام سخط حكام العراق وسوريا وبالتالي انقطاع تجارتهم وضربها، لكن النبي قام بتهدئتهم واخبرهم بانه يتنبأ بسقوط فارس وبيزنطة بوقت قريب.

الاضطرابات التي حدثت في مكة بعد وفاة النبي، والشعور بعدم “اليقين” والخوف من فقدان وسائل الرزق والتجارة في حالة البقاء على الاسلام من قبل القبائل العربية في مكة، القت بظلالها على المدينة، فصارت القبائل المدينية تتردد في اسلامها وبدأت حالة تمرد تطفو على السطح، وكانوا في البداية يترددون في دفع الضرائب.

مستخدما قوته الاقتصادية وثروته الهائلة اعتلى سهيل بن عمر المنبر في المدينة، وخاطب قريش بانه سيقوم بتعويض كل القبائل ماديا ويتكفل بدفع الزكاة عنهم اذا حافظوا على السلامهم، للحفاظ على وحدة المدينة وحماية نظامها من الانهيار، ووعد الجارود زعيم عبد القيس قومه بانه سيدفع ضعف الخسائر التي يتعرضون لها في حالة بقائهم على الاسلام 

وبقي ولائهم له.

تتجلى عدم رغبة القبائل لدفع الزكاة بوضوح في خطب زعماء القبائل وشعرهم:” والله ما كفرنا بعد إيماننا ولكن شححنا على أموالنا “

ألا أصبحينا قبل ثائرة الفجر لعل منايانا قريب وما ندري أطعنا رسول الله ما كان بيننا 

فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر فإن الذي سألوكم فمنعتم 

لكالتمر أو أحلى إليهم من التمر سنمنعهم ما كان فينا بقية 

كرام على العزاء في ساعة العسر

بعد ان اعتقلهم ابو بكر، واتهمهم بالردة ، بدأوا يشرحون انهم لكم يكفروا ولكنهم يدافعون عن اموالهم، لكنه لم يستمع اليهم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s