أثر المؤسسة الاستشراقية في تشكيل الفكر السياسي عند آرنولد توينبي


أثر المؤسسة الاستشراقية في تشكيل الفكر السياسي عند آرنولد توينبي
د.زاهدة محمد الشيخ طه
جامعة دهوك / كلية التربية الأساسية 


يمثل المؤرخ البريطاني Arnold Joseph Toynbee (1889- 1975) واحدا من اشهر الشخصيات المعروفة في التاريخ الحديث وشهرته تلك مستمدة من محاولاته الجادة لتقديم تصور جديد لخط سير حركة التاريخ وتطوراتها المستقبلية ضمن نظريته الفلسفية الشهيرة بــــ (الاستجابة والتحدي) التي تبلورت من فكرة الخوف على مصير الحضارة الغربية وتجلت بوضوح في كتابه(دراسة التاريخ) الذي عكف توينبي على تأليفه من عام(1921-1961).
في الواقع إن المنظومة الفكرية التي نسميها بالتوينبية حاولت كسر الجمود الفكري الذي طوق فكر المؤرخين الغربيين لعقود طويلة من الزمان وجمده ضمن قوالب جاهزة ملَقنة للأحداث التاريخ منقادة إلى نمط منهجي فاقد لروح النقد والتحليل الواقعي؛ نظرا لوقوعه تحت تأثير التعصبات والانحيازات؛ وكان الانقلاب الذي أحدثه توينبي في هذا النمط الجامد من الدراسات التاريخية قد مثل نقطة تحولٍ هامة في لفت أنظار المؤرخين ومخاطبة فكرهم التاريخي بقوله: ” في أكثر الحالات تكون كوارث التاريخ الكبرى بتحديها نزعة التفاؤل الطبيعية في الإنسان هي التي تستدعي من المؤرخ إبداع جهوده في الكشف عن معنى الأحداث التاريخية التي يعيشها “.
حاول توينبي في برنامجه الهادف إلى وضع تفسير جديد لحركة التاريخ ومعالجة قضية صراع الحضارات ضمن المعطى الفكري الجديد الذي حاول توينبي صياغته وتوجيه أنظار المؤرخين إليه، ويبدو أن ذلك كان ذات شأن عظيم ليحظى عمله باحترام الكثيرين وليصفه و. هـ. وولش بأنه كان:” فيلسوفا تأمليا للتاريخ تمتع بعقلية فريدة في اضطرابها وحطم ضيق أفق المؤرخين المحترفين”.

إن شهرة توينبي وعالميته لا تأتي من كونه أحد رواد المؤرخين الذين قدموا نظرية فلسفية عن الحضارات؛ وتناولوا مصير الحضارة الغربية بالتحديد، بل لأنه استطاع اجتياز حاجز عظيم في دراسة الفلاسفة للحضارات، حين اخترق عالم الحضارات الشرقية ولم يقتصر – كما فعل فلاسفة الغرب – على الحضارتين اليونانية والرومانية. لقد ضم في دراساته لعالم الحضارات (الحضارة الإسلامية) التي تناولها مفصلا في دراساته، وخصها بعنايته في منظومته الفلسفية عن التاريخ؛ محققا بذلك حلم كان يصبو إليه بعبارته الشهيرة التي صرح بها قائلا: ” كانت رغبتي دائما أن أرى الجانب الآخر من القمر، وان أرى الصورة في مجموعها؛ وليس مجرد وجهة نظر غربية، وقد تعلمت منذ الطفولة أن أتسأل عن الشعوب التي تركت خارج التاريخ التقليدي مثل الفرس والقرطاجيين والمسلمين وما شابههم”. 
وإذا كان توينبي قد قدم في مجال نظريته الفلسفية الحضارة الإسلامية وتناولها على أنها من المكونات الأساسية للتشكيل الحضاري ضمن دراسته للحضارات الشرقية، فهل بالامكان أن تكون دراسته للحضارة الإسلامية قد بنيت على أساس ثقافته الشخصية كمؤرخ أم أن ثقافته عن الحضارة الإسلامية قد نضَّجتها المنظومة الفكرية للمستشرقين أنفسهم ؟
في الواقع لا يمكن عزل المؤثرات الفكرية التي طرحها المستشرقين عن الشرق عامة والإسلام والحضارة الإسلامية خاصة عن التشكيل الفكري لمنظومة توينبي الفلسفية ونظرته إلى الحضارة الإسلامية، لاسيما بعد أن أصبح الاستشراق مرجعا أساسيا لكل المهتمين بدراسة الشرق، وغدى مادة حيوية مفعمة بالإنتاج من الدراسات بما يتناسب مع المصالح الاستعمارية الأوربية خاصة الإمبراطورية البريطانية في الشرق؛ تلك التي ينتمي إليها توينبي نفسه، وبديهي أن يتأثر توينبي بالمستشرقين وتصوراتهم عن الشرق. 
كما كانت جل التأثيرات الفكرية للمؤسسة الاستشراقية والتي تركت بصماتها على الفكر الفلسفي لتوينبي تتجلى في توضيح واقع الصراع الحضاري بين الشرق الذي كان يعني الإسلام والغرب الذي كان يعني المسيحية؛ فالإسلام الذي حاولت الأقلام الاستشراقية دراسته ووضعته لقرون طويلة عينةً تحت مجهر حاول توينبي بكل بساطة بسطه في نظريته(الاستجابة والتحدي)؛ عبر طرحٍ أجمله في أن الإسلام مثل منذ البداية تحديا عظيما وقع في واجهة الحضارة المسيحية في جانبها الشرقي والغربي، وان ذلك التحدي دخل في أطوار وعمليات مد وجزر اسماه توينبي بالتحديات والاستجابات بين الإسلام والمسيحية، الإسلام الذي بدأ قويا واجتاح عالم الحضارة الغربية حتى هدد الوجود المسيحي في عقر داره وكاد أن تبتلعها لولا أن الزمن أعاد بالإسلام إلى الوراء لتعاود الحضارة الغربية تشكلها من جديد؛ وتحاول كبح جماح الحضارة الإسلامية، حين وقع الإسلام بين فكي الصليبين من الغرب والمغول من الشرق. لذلك حاول توينبي تصحيح مفهوم الشرق والحضارة الإسلامية عامة عند الغربيين ممن كان قد تشوهت في أذهانهم صورة الإسلام الذي تمثل بمفهوم الشرق وفق ما تناولته أقلام الفلاسفة والمستشرقين على حد السواء، فقد كان توينبي – الذي يمتاز فكره بالعمق الفلسفي إلى حد ما – ضد فكرة (الشرق الراكد) وحاول جل استطاعته تغييرها حتى انه انتقد تلك التسمية بكلمة(الوهم) واسماه في كتابه(وهم الشرق الراكد).
وعلى الرغم من الطروحات التي قدمها توينبي لدحض ذلك الادعاء، فأنه وبوصفه ابن بيئته تخاطب فكره التوجهات الفكرية الداعمة لمصالح بلاده في الشرق، لاسيما بعد أن غدت بريطانية أكبر إمبراطورية في العالم وكانت تسيطر في حدود أواسط القرن التاسع عشر على نحو ربع سكان العالم حتى وتسمت بلقب “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، لذلك تنامت الاهتمامات الاستشراقية بالشرق الإسلامي كثيرا وقدمت الدراسات والتي كانت قسم منها ذا طابع عدائي يهدف إلى النيل من الإسلام والحضارة الإسلامية.
حاول توينبي لفت أنظار المستشرقين إلى حقيقة مهمة ذات مساس مباشر بجهدهم الأكاديمي الذي انصب على جانب واحد؛ وهو خدمة مصالح بلادهم في الشرق، وسعى إلى إحداث انقلاب آخر بالدراسات الاستشراقية التي تتناول الشرق عامة والحضارة الإسلامية خاصة. كان توينبي وبوصفه رجلا أكاديميا وجد أن الأمور الهادفة إلى خدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية تقع على عاتق المهتمين بالشرق؛ بما فيهم المستشرقين؛ وأن الواجب الملقى على عاتق هؤلاء يتجلى بتغير نظرتهم العدائية تجاه الشرق، عبر الكتابة على وفق أسلوب أكاديمي وبنظرة محايدة تتحرى المعلومات الصحيحة والمعرفة الكاملة؛ بما ينصب في خدمة مصالح بريطانية فيها، وما سيحقق ذلك المزيد من الرقي والتقدم لشعوب تلك المنطقة، فمثلا نراه يصرح انه على” الإنجليز أن يحقق في الهند رسالة مزدوجة الأولى تدميرية والثانية احيائية تدمير المجتمع الشرقي الفلاحي الآسيوي وإرساء الأسس المادية للمجتمع الصناعي التجاري الغربي في آسيا”. ولم يقتصر توينبي في اهتماماته بالشرق والحضارة الإسلامية على ذلك، عبر ما كان يكتبه في كتابه(دراسة التاريخ) فحسب، بل أن إيمانه بخدمة مصالح بلاده في مستعمراتها الشرقية جعله لا يدخر وسعا إلا وبذله من اجل دعم هذه المصالح والمحافظة على ديمومتها في المستقبل. وهذا ما بدا واضحا حتى قبل كتابة كتابه (دراسة التاريخ) حين عين في عام 1921 مديرا لـ (The Royal Institute of International Affairs) وهو من أهم المراكز البحثية المهتمة بالقضايا السياسية في العالم، والتي كان مقرها في Chatham House بلندن، وكان يتولى مهمة تحليل الأحداث الدولية الجارية ومراقبتها وتقديم دراسات عنها؛ لاسيما فيما يتعلق بالعالم الإسلامي.
وقد عمل توينبي إلى جانب كبار المستشرقين في مجال تقديم الدراسات التي تخدم المصالح البريطانية في الشرق، كما قام بتحرير ونشر مسح سنوي ضخم للشؤون العالمية بمساعدة زوجت.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s