الاندساس:تحول الاستشراق مِن الاستكشاف إلى التعبئة، أ.م.د فارس عزيز المدرس


الاندساس

تحول الاستشراق مِن الاستكشاف إلى التعبئة

أ.م.د فارس عزيز المدرس

 

بداية أود الإقرار بأنني من الذين يؤمنون بزوال الاستشراق؛ بوصفه نشاطا استكشافيا قامت به مؤسسات أكاديمية ذات تخصصات مختلفة. حيث كانت تلك المؤسسات – على الغالب –  تعمل على رفد باحثيها بمقومات البحث العلمي المفضي إلى استكشاف النصوص أو إعادة طرح التراث المطموس وراء المخطوطات، فضلا عن ترجمة تلك النصوص أو دراستها دراسة علمية شارحة لطبيعتها، ومفسرة لها وناقدة.

 وهذا لا يعني الادعاء بالحياد المطلق أو الخضوع لنسق منهجي واحد شمل جميع المستشرقين. وهو قطعا لا يعني تمسك جميع المستشرقين بالأمانة العلمية، ولا تحليهم بخبرات وكفاءات واحدة. لكنه بالعموم يعني أن غرض الاستشراق الكلاسيكي الأكبر كان منصبا على الاستكشاف، تحقيقا أو نشرا أو تحليلا.

 

لكن ونظرا للتطور الحاصل في نشاطات الغربيين تجاه الشرق ثقافيا وحضاريا، ونظرا لاختلاف الأحوال والظروف السياسية والنفسية، والتطور في التعامل مع العلوم الإنسانية وجب على دارسي الاستشراق ونقاده الإيمان بضرورة إخضاع الدراسات الغربية عن الشرق لتحليل تاريخاني، يشرح مسيرته، ويضعه في سياق تاريخي ومعاصر، حتى على مستوى التعريف والمنهج والقصدية ومجال الدراسة، وما تفضي إليه بحوثه من اثر في واقعنا والواقع الغربي على حد سواء.

 

ومعلوم أن الاستشراق علمٌ، لا من حيث ماهيته وتخصصه بمادة معرفية ثابتة؛ بل من حيث كونه جهدا ذهنيا منظما؛ له أفقه وأهدافه ونتاجاته المعرفية الواسعة.

ومن هنا يحتاج فهمه فهما بالمعرفةَ التاريخانيةِ له، لأنه خضع لتأثير سلطات عدةِ، وقوى مختلفة؛ حتى وصل هو ذاته إلى أن يكون سلطةً وخطابا؛ من بعد أن كان وسيلة وأداة.

 

فإذا حصل أن اختلف الاستشراق عما كان عليه في السابق من حيث الوسيلة والهدف والمنهج؛ فلماذا نستمر بتسميته استشراقا فنطمس بذلك معنى الاستشراق القديم وفي الوقت نفسه نعطي هذا الذي يسمونه استشراقا إرثا تاريخيا يحجب عنا حقيقته وطبيعته وأهدافه ؟

 

فإذا سلمنا بان الاستشراق علما؛ من حيث كونه جهدا ذهنيا منظما، فنذكِّر القارئ بأهمية معرفة تاريخ العلم، واستحالة انفصاله عن العلم نفسه كما يقول هربرت دنجل Dingle ” لأن العلم عملية ممتدة خلال الزمان، ومتعارضة مع الطابع الآني Instantaneous أو الطابع الأزلي على السواء.

وإذا ما طغى الجهلُ بتاريخ علمٍ ما؛ فلا مَحالةَ سيخفق ذلك العلم في مهمته. وهو ما يسميه “دنجل” بـ “العنصر المفقود” في العلمFactor  missing  الذي يعني به النقد الداخلي المؤسَس على المعرفة التاريخية([1]).

ومن دون معرفة تاريخ العلوم سيغدو نمو العلم معاقا ومحفوفاً بالخطر. ولا يوجد علم بلا نقد مستمر له، وهذا النقد هو على الحقيقة نقد تاريخاني.

وفي حديثنا عن المنهج التاريخاني فسنأخذ بتعريف الناقد بول هاملتون في مقدمة كتابه “التاريخانية” Historicism or historism إذ يرى “أنها حركة نقدية تشدّد على الأهمية الأولية للسياق التاريخي لتأويل النصوص مِن كل نوع.

وهي معنية أولا بجعل أية عبارة – فلسفية، وتاريخية، وجمالية …. ضمن سياقها التاريخي”، من أجل سبر المدى الذي تنعكس فيه، عبر انحيازها إلى المرحلة التي نشأت فيها ([2])، ولا بد.

 

ومن هنا فليس ثمة معرفة إنسانية لا تفقد طابعها العلمي متى تجاوز الناس الظروف التي نشأت في أحضانها، والمسائل التي تولّت الجواب عليها، والوظيفة التي تشكلت من أجلها تلك العلوم.

 ولعلّ مصدر الجانب الأكبر من النزعات والأهواء والأغلاط التي يقع فيها قسم من القراء؛ هو المعرفة التي جنحت عن مسارها التاريخي([3]). وجرى حملها على نسق واحد، وتعريف شامل لا يراعي تغير الأحوال والأزمان والمفاهيم والدوافع.

فالاستشراق خضع لمؤثرات ثقافية وأخلاقية ومنهجية وجغرافية وسياسية فمن الصعب تعريفه تعريفا ثابتا مستقرا، لأنه ” يمتلك خصائص متغيرة أكثر مما يذهب إليه البعض”([4]).

 

يترتب على هذا أن لا نقع فيما وقع فيه سعيد – مع ما جاء به من تفسيرات معمقة لطبيعة ومنهج الاستشراق– حيث هيمن على تحليلاته الطابع الكولينيالي السياسي للاستشراق.

كانت حفريات سعيد تنبش باحثة ً عن العنصر تآمري للاستشراق كان يراد به صناعة واقع من خلال النصوص المكتشفة، أو التي هي قيد الدرس من لدن المستشرقين.

 وهذا على الحقيقة قد حصل لدى كثير من المستشرقين، لكنه لا يعد مذهبا ومنهجا لكل المستشرقين، بل أن كثيرا من دراسات المستشرقين واكتشافاتهم وتحقيقاتهم ونوع العلوم التي بحثوا فيها لا علاقة لها البتة فيما يؤوله سعيد ويعتبره نشاطا كولينياليا دمغ جلَّ نشاط الاستشراق.

 

وبسبب من مواقف سعيد تم إقصاء جهود كثيرة قام بها قسم من المستشرقين الموضوعيين، لكن وبسبب هاجس سعيد جرى حشرهم جميعا في سلة واحدة؛ بوصفهم حركة لا سياسية تنطلق من رحم كولينيالية بغيضة.

 

 نعود الآن إلى الفكرة الأولية للموضوع والتي نريد من خلالها الإشارة إلى زوال الاستشراق بوصفه جهدا أكاديميا لا مجرد جهد كولنيالي تآمري صانع للشرق في التصور الغربي. فنقول:

إن الأحوال والغايات والتغيرات السياسية والاجتماعية والنفسية ضربت بثقلها على نشاط الاستشراق، فلم يعد جهدا استكشافيا ولا تحليليا بقدر ما تحول إلى تعبئة موجهة، هي أكثر صلة بفرضية سعيد وتختلف أخلاقيا ونوعيا وحتى بمستواها العلمي عن الاستشراق الكلاسيكي الذي قام به كبار الأساتذة والباحثين.

ولا ادعي خلو ساحة الاستشراق من مسترقين حقيقيين لهم سمات وصفات ومناهج الاستشراق الأول. لكن الغالب أن الساحة باتت تكتظ بسواهم حملوا تسميتهم.

أما الذين يسمون مستشرقين ( أو لنقل الذين نسمهم نحن مستشرقين محدثين ) فيختلفون عن المستشرقين الأوائل حتى على مستوى تعريف ( استشراق / مسشترق).

فمثلا كان جويدي يعرف علم الاستشراق وصاحبه قائلاً إن علم الشرق “هو الوسيلة ” لدرس كيفية النفوذ المتبادل مع الشرق، بل نستطيع أن نقول إن الغرض الأساسي لهذا العلم ليس مقصوراً على مجرد درس اللغات أو اللهجات أو تقلبات تاريخ بعض الشعوب؛ بل من الممكن أيضاً أن نقول أنه بناء من الارتباط المتين بين التمدن الغربي والتمدن الشرقي.

 

وليس علم الشرق إلا باباً من أبواب تاريخ الروح الإنساني… وليس صاحب علم الشرق الجدير بهذا اللقب بالذي يقتصر على معرفة بعض اللغات المجهولة أو يستطيع أن يصف عادات بعض الشعوب، بل هو من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق وبين الوقوف على القوى الروحية الأدبية الكبيرة التي أثرت في تكوين الثقافة الإنسانية([5]).

 

إذن لم يعد الاستشراق يهدف إلى الاستكشاف، ولا إلى التحقيق النصوص وعرضها، ولا حتى شرحها، بل راح يعمل على الانتقاء التعبوي، دون منهجية معينة ودون نسق ثابت. ومن يقوم به من العسير تسميتهم مستشرقين لأن تعريفات المستشرق لم تعد تنطبق عليهم.

كان جون آرثر آربري – وهو من كبار المستشرقين البريطانيين، لا يعتد بالمعنى اللغوي لمصطلح إستشراق، بل يذهب إلى ما ذهب إليه قاموس أكسفورد فيعرف المستشرق Oreintalist بأنه “من تبحر في لغات الشرق وآدابه، ويقول معقبا: وهذا يفرض علينا أن ندع لآخرين أن يكتبوا عن ذلك الجم الغفير من ذوي الشهرة والصيت الذين عرفوا الشرق معرفة جيدة، والذين استلهموا أدبا ً بديعا، ولكنهم خرجوا عن حد التعريف السابق فلا يستطاع تسميتهم مستشرقين([6]).

بينما من نجدهم الآن على الساحة الاستشراقية كثير منهم لا يفقه العربية فقها يؤهله إلى نقد النصوص التي يتصدى لها، فضلا عن عدم اندراجهم في مؤسسات معلومة؛ تتخصص في الشرق وعلومه ولغته.

لم يعد جهدهم يقوم على الاستكشاف والعرض والنقد العلمي بل يقوم على التعبئة لمعتقد وغاية، ويتخذ من طابع الشبهات ركيزة له؛ بغية النقد والتدخل في تاريخانية النصوص ودلالتها.

بمعنى آخر يهدف إلى الاندساس في صلب النص الاعتقادي على الغالب بغية إظهاره بمظهر معين بالاعتماد على الفيلولوجيا، لكنها فيلولوجيا مبطنة مغرضة هدفها إثبات البطلان النص التاريخي.

وإذا كان ماركوليوث قد اتخذ من المنهج الديكارتي غطاء منهجيا له في دراسته للغة العربية والشعر الجاهلي فعلى الأقل كان على إطلاع واسع بالعربية وتاريخها وهو  – مع ما في آرائه الأخرى من عمق وفائدة – كان قد اتخذ من الشك غاية وليس وسيلة، لذلك تعرض إلى النقد الشديد من مستشرقين آخرين لأنهم شعروا أن خيانة المنهج هي خيانة علمية لا سبيل إلى قبولها.

فهذا جون آرثر اربري يقول عنه: ((إن السفسطة وأخشى أن أقول الغش في بعض الأدلة التي ساقها ماركوليوث لا تليق البتة برجل كان ولا ريب من أعظم أئمة العلم))([7]).

 

بينما لا أحد ينتقد المستشرقين المحدثين لان النقد الاستشراقي الغربي لم يعد له الخبرات الكافية لذلك، بل لا يجد الناقد الحيادي الدعم العلمي ولا المعنوي للقيام بمثل تلك النقود.

إن ما يفعله مثلا كل من ( كرونه ودانيال بايبس ) ليس استشراقا البتة؛ بل تعبئة لمهاجمة عنصر حضاري مداره النصوص المقدسة، وبكيفية تشم فيها رائحة الحنق والإصرار على إلغاء الآخر، وهو نزوع أشبه بنزوع المتزمتين الأوائل الذين كانوا يجندون لأجل التشهير بالعرب والمسلمين، جريا على ما تقتضيه حاجاتهم ونوازعهم.

إن ثقافة المستشرق ولغته وسيرته العلمية وخبرته ومؤهلاته الأكاديمية ومنهجه المتبع ما عادت تنطبق على المحدثين من الباحثين الغربيين في تراث الشرق وثقافته.

أما من حيث الغرض والهدف فلا يوجد في مناهجهم عنصر استكشاف، ولا هدف حضاري ايجابي، بل عنصر طمس ونزوع شعبي في نشر الأفكار عن الآخر الشرقي بأدوات يقال عنها أكاديمية، دافعها تفعيل هاجس الفوبيا من الآخر.

إن هؤلاء ليسوا بمستشرقين بل باحثين غربيين لهم أهداف معينة وأدوات خاصة، وليس لهم من ميزة المستشرق سوى أنهم يتعاملون مع موضوعات هي من صلب الشرق الإسلامي على الخصوص، وشانهم شان أي دارس شرقي للتاريخ الأوربي أو الحضارة الأوربية، ليس إلا.

 

هؤلاء هم الذين تنطبق عليهم الكثير من الصفات التي ساقها ادوارد سعيد، خلا أنهم لا ينشغلون في صناعة شرق نصوصي في الذهن الغربي بل هدفهم الحط من الشرقي بكل وسيلة. ومن أهم وسائلهم تعطيل النص التاريخي. بمعنى ليس نقد النص بل إلغاء هذا النص؛ إن لم تتحصل لهم وسيلة النيل منه على مستوى أخلاقي.

وهم لا يشككون في النصوص التي يرونها تثير شبهات تتقاطع من ثقافة العصر وأخلاقياته، لأنها تخدم توجهاتهم، بينما النصوص التي لا تخدمهم ولا تشوه القيمة الأخلاقية للشرق بل ترفعها وتسمو بها فليس من طريق إلا تزييفها أو نسفها، ومحاولة إبطال أصلها وحقيقتها التاريخية، عبر مسوغات فيلولوجية ليس لها من الموضوعية إلا اسمها.

وبعد أن يؤلفوا في ذلك كتبا يقومون بترجمتها إلى العربية ينشرونها بأوسع نطاق ممكن. وهؤلاء اخطر بكثير من الذين هاجمهم سعيد للصفات التي يتصفون بها ولنزوعهم الشعبي في نشر الشبهات والأفكار التي تنال من التاريخ والثقافة الشرقية، مما يترتب عليها تبعات ومخاطر وانحرافات ثقافية وطمس للحقائق ليس من السهل معالجته ومقاومته.

 فعلى أي أساس إذن نسميهم مستشرقين مسبغين عليهم هالة الإرث التاريخي للاستشراق. وهم يشكلون أداة استراتيجية تدخل ضمن التفعيل الثقافي لصراعٍ حضاري اعتقادي المنهج سياسي التطبيق والإجراء.

 

ما تقدم من آراء ربما لا يستسيغة مَن جعل الاستشراق تخصصه أو مهنته، لكننا حقيقة بحاجة حقيقية إلى إعادة تشكيل المفاهيم بما يوافق طبيعتها وماهيتها كي لا تظل الأمور مختلطة علينا وعلى أجيالنا.

 بحاجة إلى التعريف بجيل الباحثين الغربيين الجدد هؤلاء بما ينطبق عليهم من مؤهلات وصفات وأهداف، وما ينجزونه من أعمال، وما ينشرونه من تصورات وأفكار، لا أن نضعهم في سلة الاستشراق وكفى.


([1]) A Guide to the History of Science. Sarton, G, p.11-15.

[2] Historicism. Paul Hamilton. First published 1996 by Routledge. 11 New Fetter Lane, London EC4P 4E. Introduction. pp.3

([3]) Greek Science. Farrington, B. Vol . 2, p 173. Penguin books. 1944.

[4] Reading Orientalism. Graham Huggan. Research in African Literatures, Vol. 36, No. 3. Edward Said, Africa, and Cultural Criticism (Autumn, 2005), pp. 125

[5] علم الشرق وتاريخ العمران. م. أ.  جويدي ص ه.

[6] المستشرقون البريطانيون جون آرثر. آربرى. ص٧.

[7] مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، ج1، موقف مارجوليوث من الشعر العربي. د. محمد مصطفى هدارة. ص400.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s