امارة افراسياب في البصرة(1596-1668م)، عُمر جاسم


-امارة افراسياب في البصرة(1596-1668م)، عمر جاسم

صورة

  • ·        قيام امارة افراسياب:

تميز الحكم العثماني طيلة النصف الثاني من القرن السادس عشر بالضعف،وكانت سلطات الوالي لاتتعدى حدود المدينة،فضلا عن الاضطرابات التي تقع داخل المدينة،وكان من اسباب ذلك؛قلة واردات المدينة في تلك الفترة بسبب التطورات السياسية والتجارية في المنطقة،فاصبحت لاتكفي لسد نفقاتها علاوة على ماكانت تقوم به عشائر الجزائر من هجمات على المدينة بدافع قلة مواردها هي الاخرى،وبسبب عجز والي البصرة العثماني درويش علي باشا على دفع رواتب الجند المحافظين على الامن وارزاقهم،واتعبته النزاعات والثورات في الوقت الذي اتفق فيه اعيان اهل البصرة على مقاطعته وعدم الاعتراف به والرجوع اليه؛لانه لم يكن قادراً على حفظ الامن فضلاً عن كونه تركياً وليس عربياً،فقرر هذا ان يتخلص من تلك المسؤولية الصعبة فباع ولايته الى كاتب الجند في البصرة افراسياب والذي ابتاع حكومة البصرة بـِ(15000)مثقال من الفضة(ثمانية اكياس رومية)وتعهد بان لايقطع الخطبة للسلطان العثماني وان يدفع ضريبة سنوية للعاصمة العثمانية،وبعد تسلمه ادارة البصرة اعلن ولائه للباب العالي.ويبدو ان الحكومة العثمانية قد اضطرت الى الاعتراف بافراسياب حاكما على البصرة ؛لانها لم تكن قادرة على اخراجه من المنطقة او طرده منها،فضلاً عن اعلانه الولاء للعاصمة العثمانية.

ومن الواضح ان افراسياب كان ثرياً فاستغل الاوضاع الاقتصادية المتردية في البصرة فابتاع حكومتها من درويش علي باشا الذي اعدم حال وصوله العاصمة العثمانية،وبعد ان اصبح حاكماً على البصرة عمل افراسياب على تشكيل قوة من الرجال يعتمد عليها في حكمه ومواجهة اعدائه وحتى يطيعه اهل البصرة ،ويذكر(لونكويك)ان وصول افراسياب الى الحكم وتشكيله قوة يعتمد عليها في حكمه يدل على تأييد القبائل له،كما ان الحصول على لقب باشا او الانعام به عليه من قبل حكومة كانت تريده ان يبقى موالياً لها ،يدل على نوع من الاستقلال.

لقد تمكن افراسياب من ان يخلص البصرة من السيطرة العثمانية ويلقب نفسه امير البصرة،حيث تمكن من توطيد الامن والنظام خارج المدينة وضواحيها،ثم اتجه لضم المناطق المجاورة لها حيث سيطر على مواقع وجزر في شط العرب،كما سعى الى تقوية تحصينات المدينة من خلال تكوين قوة عسكرية مؤلفة من(3)آلاف رجل من العرب والاكراد والاتراك فضلاً عن جنود القلاع التي تقع خارج المدينة وكان قائدها هو الامير نفسه الذي يمسك جميع السلطات المدنية والعسكرية ،وكانت ترسانة المدينة تضم عدداً من المدافع تستخدم لمهاجمة القبائل وجباية الضرائب منها.

اما من الناحية الاقتصادية فقد اقامت حكومة افراسياب علاقات ودية وتجارية مع امم اجنبية مختلفة؛ولذلك ازدهرت التجارة في المدينة،وفتح ميناء البصرة للتجارة الاوربية وخصوصاً التجارة البرتغالية ،فعلى اثر استيلاء الفرس على ميناء هرمز 1622 نقل البرتغاليون نشاطهم التجاري الى البصرة ،كما توافد الى البصرة التجار من اسطنبول وازمير وحلب ودمشق والقاهرة لشراء البضائع الواردة من الهند،كما وفد اليها تجار ديار بكر والموصل وبغداد الذين كانوا ينقلون اليها بضائعهم بواسطة نهر دجلة على الرغم من ان ذلك يكلفهم نفقات ويحملهم مصاعب كثيرة وذلك لقلة السفن التي يسيرها الرجال.

ومن حيث الصناعة فقد كانت تنتشر في المدينة مختلف الصناعات والحرف اليدوية المعروفة،اما الزراعة فيبدو انها نشطت هي الاخرى بسبب نشاط الحركة التجارية وخاصة زراعة النخيل؛اذ كانت التمور اهم الصادرات وكانت كمارك البصرة تأخذ بيومها بمقدار 5%.

  • ·        علاقاتها الخارجية:

لقد كانت لامارة افراسياب علاقات مع الدول وات والمناطق المجاورة لها وكذلك مع القوى الاجنبية الغازية لمنطقة الخليج العربي.

1.علاقاتها مع الامارة المشعشعية في الحويزة:

طمح حاكم الحويزة (مبارك)ان يضم البصرة الى امارته،ومن اجل ذلك فقد هاجمها مرات عديدة وتمكن من السيطرة على بعض المناطق القريبة منها،لكن افراسياب بعد وصوله الى الحكم اراد ان يضع حداً لذلك فمنع ما كان يأخذه(مبارك)من رسوم من البصرة ومن الضفة الشرقية لشط العرب،ثم بعث اليه برسالة طالبه فيها بالخضوع والطاعة لاوامره،لكن مبارك رد عليه رداً قاسياً اثار افراسياب ودفعه الى الاصرار على مهاجمة الحويزة والتأهب للحرب،لذلك اصدر اوامره بصنع(3000)سفينة ويبدو ان تلك الاستعدادات اثارت مخاوف (مبارك)فحاول ان يتجنب الدخول في حرب مع افراسياب وذلك ليجنب الحويزة الخراب والدمار،فارسل الى افراسياب فرسين على كل منهما كيس مليء بالذهب.

ومن المعتقد ان السبب الذي دفع مبارك لاتخاذ مثل هذه السياسة هو عدم استعداده للحرب في تلك الفترة،وربما لم يكن يتوقع ان تصمد الحويزة في تلك الفترة لمثل هذا الهجوم الكبير،فاراد بهذه الطريقة ان يكسب الوقت ويماطل حتى يتمكن من بناء تحصينات قوية تستطيع الصمود والدفاع امام الجيوش المهاجمة،ثم القيام باعداد جيش قوي يتمكن من استعادة المناطق التي فقدها.

وفي اثناء هذا الوضع المتأزم بين امارة افراسياب والامارة المشعشعية عرض البرتغاليون على حاكم الحويزة مبارك عقد معاهدة بينهما،لانهم كانوا على غير وفاق مع العثمانيين،وتختلف الروايات حول هذا الموضوع ،فتذكر بعضها ان(مبارك)رفض الطلب،اما البعض الاخر فيقول انه ربما دخل مبارك في تحالف عسكري مع البرتغاليين.

ومن المرجح ان مبارك قد استغل الظروف وتحالف مع البرتغاليين لانه كان في صراع مع خصم اقوى منه وهو افراسياب،وانه دخل في هذا التحالف ليخفف من شدة العداء بينه وبين افراسياب ؛لان البرتغاليين في ذلك الوقت كانوا على علاقات ودية مع امير البصرة.

ان هذه الاوضاع قد تغيرت بسبب وفاة مبارك 1616 وادت الى تبدل كبير في سياسة امارة المشعشعين ،فبعد وفاة مبارك حدث صراع على السلطة بين ابنائه كانت نتيجة ذلك مقتل راشد المشعشعي ومجيء منصور عام1619 الذي اتبع سياسة مغايرة لسياسة سلفه فحاول التقرب الى افراسياب وبذلك تحسنت العلاقة بين الامارتين ،وابتعد شبح الحرب بينهما ويذكر ان السبب الذي دفع منصور الى اتخاذ هذه السياسة هو محاولة تشكيل جبهة عسكرية ضد شاه ايران عباس الكبير (1587-1629)الذي كان يحاول اخضاع الامارة المشعشعية الى مناطق نفوذه،وقد هدد الشاه عباس منصور بانه سوف يستعمل معه القوة في حالة رفضه التبعية لبلاد فارس ؛لذلك نرى ان الحاكم المشعشعي يستنجد بافراسياب ليساعده على التخلص من هذا الولاء والتبعية.

استمرت العلاقات ودية بين افراسياب والمشعشعين حتى بعد وفاة افراسياب ومجيء ابنه علي(1624-1651)،ومما يدل على ذلك اشتراك الطرفين في التصدي لسلسلة من الهجمات ومنها مهاجمة (إمام قلي خان)البصرة،وبالتالي فان هذا التغيير ادى الى تغير كبير في السياسة الفارسية ،فقد حاولت فارس التقرب من هاتين الامارتين ،وقد تحسنت العلاقات فعلاً بين الشاه صفي الدين وعلي باشا ،وتبادلا المراسلات والوفود بينهما.

اما عن الاسباب التي دفعت الشاه الفارسي الى التقرب الى هاتين الاماراتين؛فهو ضمان موقفهما على الحياد عندما تنشب حرباً بين بلاده والدولة العثمانية؛لان هذه الفترة(1637)كانت فترة استعدادات قام بها مراد الرابع لاستعادة بغداد من سيطرة الفرس،كما ان التقارب الذي حدث بين امارة افراسياب من جهة وبلاد فارس وامارة المشعشعيين من جهة ثانية ادت الى تغير سياسة العثمانيين ايضاً،وكانت سبباً في تأكيد الدولة العثمانية على ضرورة وضع نهاية للامارة الافراسيابية.

استمرت العلاقات الحسنة بين امارة افراسياب وامارة المشعشعيين طيلة حكم حسين باشا افراسياب (1651-1668)اذ لم تذكر اية معلومات تفيد بتوتر العلاقة بين هاتين الامارتين.

  • ·        العلاقة مع بلاد فارس:

رغم سقوط اكثر مناطق العراق بيد الفرس بعد سيطرتهم على بغداد (1623)فان البصرة حافظت على تبعيتها للدولة العثمانية ،الا ان هذه التبعية وتحسن علاقاتها مع البرتغاليين الذين جاؤوا اليها بعد فقدهم هرمز سنة(1622)للمتاجرة معها،كل هذه الامور ادت الى استياء الشاه عباس الاول الذي قرر ان يضع حداً لهذا الازعاج الذي هدد بندر عباس التجارية،ففي سنة (1623)طلب الشاه عباس من افراسياب ان يرفض التبعيى العثمانية ويتحول الى التبعية الفارسية وان يذكر اسم الشاه في الصلاة وان يسك النقود باسمه،وان يتخذ الازياء الفارسية ،وفي مقابل ذلك يكون افراسياب حاكماً وراثياً لايدفع اية ضريبة سنوية ،ويتمتع بكافة الصلاحيات المحلية،الا ان افراسياب رفض ذلك معتمداً في تصديه على قوته المحلية وجهود اهل البصرة،اضافة الى دعم البرتغاليين له؛فارسل الشاه قلي خان (1624)الا ان القوات المشتركة اوقفت ذلك التقدم.

وبعد تولي على شؤون الامارة طلب المساعدة من الدولة العثمانية للوقوف بوجه التهديدات الفارسية،الا انه عجز في الحصول عليها بسبب قيام الفرس بقطع الطرق المؤدية الى البصرة وهي طرق دجلة والفرات.

وفي عام (1625)واجهت البصرة هجوم الخان عليها بعد ان اكمل زحفه على مناطق الحويزة ،وفي هذه الفترة وصلت البصرة من غير توقع قوة تتألف من (5000)رجل من اتباع حاكم الحويزة الذين فروا امام جيوش قلي خان،وكانت قوات علي باشا قليلة العدد اذا ما قورنت بجيوش الفرس المهاجمة؛لذلك اخذ خمس سفن مسلحة بعد ان اعطاهم ما ارادوا،ثم اعلن التجنيد العام في المدينة،كما طلب امير البصرة من كل بيت ان يقدم رجلاً مسلحاً للدفاع عن المدينة ضد الهجوم الفارسي،الا ان المواجهة العسكرية بين الطرفين لم تتم بسبب انسحاب القوات الفارسية المهاجمة بسبب حدوث اضطرابات في شيراز.ومن المعتقد ان صمود علي باشا هو الذي دفع الدولة العثمانية الى الموافقة على قبوله حاكماً على البصرة عام(1625).

لم يترك الفرس البصرة وشأنها،وانما كرروا محاولاتهم من جديد سنة(1629)،اذ حاول قلي خان مرة اخرى غزو البصرة ،ولما رأى علي باشا انه لايستطيع مقاومة هذه القوة الكبيرة طلب المعونة من قبائله،ووضعوا خطة لحماية البصرة من الغزو الفارسيوتقضي بكسر السد الذي يحجز ماء البحر،وفعلاً نفذت الخطة وغمرت المياه الاراضي المنبسطة حول البصرة لعدة ايام.

وفي هذه الاثناء وصلت الانباء الى الجيش الفارسي الذي كان قليل الخبرة بالمواصلات المائية،وممتحن بهذه الاحوال الغريبة بموت الشاه عباس،وبذلك فقد الفرس كل املهم في السيطرة على البصرة ،فقرروا الانسحاب وتركوا علي باشا حراً في ادارة شؤون امارته وحكومته.

وبعد فشل تلك الهجمات العديدة اضطر امام قلي خان الى الاعتراف بالامر الواقع،وقبل الصلح مما ادى الى تمتع المنطقة بنوع من الاستقرار اتجه خلالها علي باشا الى اعمال اليناء والعمران ،فاعاد بناء مدينة القرنه التي صارت تسمى –العلية-نسبة اليه،وجعلها مركزاً للكمرك وكذلك اهتم بالعلوم والاداب فازدهرت بذلك الحياة الفكرية في ذلك العهد.

  • ·        علاقاتها مع القوى الاوربية في الخليج العربي:

اقام حسين افراسياب علاقات ودية مع الهولنديين والانكليز والاجانب الذين وصلوا في تلك الفترة ،ويظهر ان السبب الذي دفع امير البصرة حسين باشا الى اتخاذ مثل هذه السياسة هو رغبته في تطوير الحركة التجارية في البصرة للحصول على موارد كثيرة لامارته.

لقد حاول حسين افراسياب ان يتبع سياسة الموازنة بين تلك القوى:الهولنديين والانكليز،لكن تلك السياسة تغيرت بعد الحملة العثمانية الاولى على البصرة 1653والتي استهدفت القضاء على حكومة افراسياب واعادة البصرة الى السيطرة العثمانية ؛حيث اخذ امير البصرة بمضايقة التجار الاجانب وفرض الضرائب الكثيرة عليهم وخاصة التجار الانكليز.

لقد استولى حسين باشا على مبنى الوكالة الانكليزية في البصرة ثم استولى على مؤسسات شركة الهند الشرقية البريطانية.

ويذكر ان سبب اتخاذ حسين باشا لهذه السياسة هو ما اشيع عن قرب قيام الشركة بتصفية اعمالها في البصرة ،علاوة على قلة العائدات في المجال التجاري مما اثار استياء الامير حسين باشا.

ومن الواضح ان حسين باشا ونتيجة للضغط البريطاني اعاد نشاط الشركة من جديد فاعطاها مقراً جديداً في البصرة مما ادى الى تحسن العلاقات بين الجانبين في حدود 1662م.

 

–       نهاية امارة افراسياب:

 

كانت الدولة العثمانية عازمة على وضع حد لهذه الاسرة التي اصبحت امكاناتها ممتازة في البصرة ،ومما زاد في سرعة اتخاذ مثل هكذا قرار عدم مشاركة هذه الامارة في حملة السلطان مراد الرابع ،وقيل ان مراد كان عازماً على القضاء على هذه الاسرة ،غير ان هطول امطار كثيرة هي التي انقذت البصرة من جيوش مراد الرابع.

كانت هناك حملتين فاشلتين سبقتا الحملة الرئيسية ،الاولى كانت حملة مرتضى باشا والتي أُرخت سنة (1653)،والحملة الثانية حملة ابراهيم باشا(1665)،اما المعركة الفاصلة فقد قاد الجيش العثماني فيها الوزير قره مصطفى باشا والي بغداد،والتي قدر لها انهاء هذه الامارة من الوجود ،فاصبحت البصرة تحت السيطرة العثمانية من جديد.

لعبت امارة افراسياب دوراً مهماً في الاحداث السياسية المحلية ،واصبحت لفترة طويلة مصدر ازعاج وقلق للدولة العثمانية التي كان عليها ان تتعامل مع هذه الامارة باسلوب مرن بسبب موقعها الجغرافي القريب من الدولة الصفوية ،ومن الجدير بالذكر ان هذه الامارة كانت تدين في بقائها هذه المدة الى :

  1. بعده عن الدولة العثمانية.
  2. ولائها للدولة العثمانية،وعلاقاتها مع الدول الاوربية والدولة الصفوية.
  3. ثم ان طبيعة هذه المنطقة كانت عاملاً اخر اطال في عمرها،فكثرة الاهوار والمستنقعات كانت تعرقل نشاط الجيوش العثمانية عند زحفها نحو البصرة.
  4. كما ان هذه الامارة قد استفادت من المنافسة التجارية بين الشركات العاملة في البصرة والتي كانت تفضل التعاون مع اسرة محلية تتساهل في القضايا الكمركية بدلاً من التوجه الى الدولة العثمانية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s