حصار نادرشاه لمدينة الموصل 1743م ونهاية الحكم المملوكي ، عمر جاسم


– حصار نادرشاه لمدينة الموصل 1743م ونهاية الحكم المملوكي ، عمر جاسم

Image

كانت اخبار دخول القوات الفارسية للاراضي العراقية ترد الى مدينة الموصل قبل وصول نادرشاه الى كركوك وذلك عن طريق القوافل التجارية التي تسلك طريق بغداد-الموصل.لقد بذل والي الموصل حسين باشا الجليلي كل مافي وسعه لترميم سور المدينة وسد الثغرات فيه وتحصين القلاع وتعميق الخندق،كما اصدر اوامره الى سكان الاطراف بالتوجه الى داخل الموصل للاختماء باسوارها المنيعة خوفاً من تعرض نادرشاه لهم.

كانت هناك مناوشات بين الطرفين قبل المواجهة الحسمة؛اسفرت عن تكبد الجيش العثماني والقوات المحلية خسائر كبيرة.

في 26ايلول 1742م وصل نادرشاه مشارف الموصل بجيش قوامه(150)الفاً،وخيّم يارمجة بالقرب من الموصل واتخذها مقراً له،وبعد ثلاثة ايام نصب نادرشاه جسراً على نهر دجلة لعبور قواته الى جانب المدينة،وامر ببناء(12)برجاً،زودت هذه الابراج بالمدافع الضخمة التي بدأت بقصف المدينة بشكل مكثف ومن كل الجهات.لكن نادرشاه لجا الى تغيير خطته بعد ان رأى عدم جدوة هذا القصف؛فأمر بقصف المدينة من جانب واحد وتحديداً نحو برج باش طابية الشمالي والذي كان مقراً لحسين باشا الجليلي،الذي اضطر الى ترك مقره والتوجه الى السراي،وعلى الرغم مما احدثته هذه القنابل من التدمير في بعض جوانب السور الا ان اهالي المدينة سرعان ما اعادوا بناء ما تهدم من السور،وامام هذه المقاومة الباسلة التي ابداها اهالي هذه المدينة،صَعّد نادرشاه من قصفه للمدينة ومن جميع الجهات ،ولمرة ثانية ولمدة خمسة ايام وبدون انقطاع،حتى قدر ما القى على هذه المدينة من قنابل باربعين الف قنبلة،ومائة الف قذية،الا ان تأثير هذه القنابل كان قليلاً لان مفعولها كان يبطل بفعل ابار الخندق القائمة خلف السور ،او انها تنفجر في الهواء وبعضها تسقط بين البيوت دون ان تنفجر،فلجأ اهالي المدينة الى جمعها واستعمالها مرة اخرى ضد الجيش الفارسي.

وامام فشل خطط نادرشاه لجأ الى انتهاج سياسة جديدة قائمة على فرض حصار على المدينة،فأمر بتحويل احدى شقتي نهر دجلة عن الموصل،وسد جميع الطرق الموصلة الى المدينة ،كما هاجم القرى المحيطة بالمدينة،كما انزل جام غضبه على اليزيدية في سنجار وقتل كثيراً منهم،كما بعث بعض قواته الى التون كوبري التي رفعت راية الاستسلام حال اقتراب القوات الفارسية منها.

بعد ان نهب نادرشاه القرى المحيطة بالمدينة وفتك باهلها عاد الى الموصل ليجري خطة عسكرية اخرى ،وتقوم الخطة الجديدة على حفر انفاق ارضية تحت سور المدينة لنسفه بالبارود،وكانت الخطة المرسومة ان يقوم بعض الجنود الفرس باعتلاء اسوار المدينة بواسطة الحبال،على ان هذه الخطة هي الاخرى سرعان ما فشلت بسبب عدم انفجار الالغام بسبب الرطوبة ،اذ بم ينفجر من الالغام الا اثنان الحقا بالقوات الفارسية ضرراً اكثر مما الحقا باهالي المدينة.

وامام فشل كل الخطط والوسائل العسكرية للسيطرة على الموصل ادرك ان طلب الصلح خير له من البقاء في الموصل بعيداً عن مقر السلطة،خاصة بعد حدوث تمرد جديد في فارس وشيروان،فقرر فتح باب المفاوضات مع حسين باشا الجليلي والتي انتهت بالتوقيع على الصلح حيث قرر نادرشاه الرجوع الى بغداد.

لقد كان دفاع الجليليين عن الموصل مدعاة الى رفع مكانتهم لدى السلطان العثماني محمود الاول الذي كافأ حسين باشا بتمليكه قرية(قره قوش).

في الوقت الذي كان منه نادر شاه قد فرض حصاراً على مدينة الموصل اصدر اوامر الى خواجة خان قائد القوات الايرانية في الحويزة بالزحف على البصرة لسيطرة عليها غير ان حصار القوات الايرانية لم يدم طويلاً اذ اصدر نادرشاه اوامره بفك الحصار عن البصرة،ويبدو ان انسحاب  القوات الايرانية يرجع الى اعتقاد نادر شاه انه لاجدوى من استمرار الحصار بعد ان اخفق في احتلال الموصل ،والتي تشكل عقدة المواصلان بالنسبة للقوات العثمانية ،وفي اعقاب فشل نادرشاه في مخططاته تلك؛حاول وضع حد للنزاعات بين الطرفين العثماني والايراني.وقد اختار فعلاً كل من نادرشاه واحمد باشا عدد من العلماء للاجتماع في النجف وبعد مناقشات طويلة بين علماء الطرفين ،وبعد انتهاء نؤتمر النجف عاد نادرشاه الى بلاده لقمع التمرد الذي حدث ضده في 14ايلول1746م،توصلت الدولتان الى التوقيع على معاهدة جديدة،تضمنت الاعتراف بالحدود التي رسمت على اساس معاهدة زهاب 1639م،وتسهيل سفر الحجاج الايرانيين الى بيت الله الحرام عن طريق بغداد والشام،وتبادل السفراء بين الدولتين وعدم جواز بيع الاسرى وفتح المجال لعودة الراغبين منهم.

في 20حزيران 1747م قتل نادرشاه ،وبمقتله اصبحت ايران مسرحاً للفوضى والاضطرابات بين الطامعين على السلطة،ولم تحاول الدولة العثمانية التدخل في شؤونها الداخلية لانها كانت تحاول القضاء على النفوذ المملوكي في بغداد بعد وفاة احمد باشا سنة 1747م،ولانها ادركت ان تدخلها في الشؤون الداخلية لايجدي نفعاً،لاسيما وانها مرت بتجارب من هذا القبيل عندما استغلت الغزو الافغاني لايران حيث امرت ولاة بغداد بالتدخل في شؤون ايران الداخلية،واحتلت بعض المدن المهمة،ثم اجبرت على التخلي عنها بسبب بروز شخصية نادرشاه،وكانت تخشى لوتدخلت في شؤونها الداخلية ان يظهر مغامر مثل نادرشاه؛عندئذ تتكبد خسائر فادحة،وتضطر الى اخلاء المناطق التي سيطرت عليها.

وبصورة عامة تميزت العلاقات الايرانية-العراقية بعد قيام حكم المماليك بطابع من الود والاحترام ،واستمرت على هذا المنوال طيلة حكم سليمان باشا(1750-1762م).

ان وضع الموصل كايالة قائمة لم يستمر طويلاً ؛حيث ربطت ببغداد في النصف الثاني من القرن 16م،على اثر اشتداد المواجهة العثمانية الصفوية في منطقة شهرزور.

لقد كان التناوب واضحاً في وضعية الموصل الادارية؛فتارة تظهر كايالة مستقلة وتارة اخرى ترتبط كسنجق بمحور بغداد،ويعود ذلك الى انعكاس الاوضاع السياسية في المنطقة،ونعني بذلك الصراع العثماني-الصفوي،فعند الخطر الصفوي تعمد الحكومة الى ربط الموصل بمحور بغداد كنوع من التآزر والتضامن،وعندما تخف وطأة التهديدات الصفوية تعود الموصل الى وضعيتها كايالة قائمة بذاتها.

وتشير المصادر التاريخية الى ازدياد دور الموصل في المشاركة في الاعمال العسكرية الموكلة اليها من حكومة بغداد في النصف الثاني من ق16م،حيث شاركت الموصل في الحملات التي كانت تهدف الى القضاء على الحركات التي قامت بها عشائر جنوب العراق خاصة عشائر المنتفك.

ومما يجدر الاشارة اليه انه لم تنشأ في الموصل خلال العهد الجليلي اية قنصلية اجنبية في الوقت الذي نشأت في قنصليات في بغداد والبصرة منذ فترات مبكرة ،ويمكننا ان نعلل ذلك بان الموصل كانت بعيدة عن خط المنافسة البريطانية –الفرنسية،حيث كانت فرنسا تسعى الى ايجاد نقطة ارتكاز لها على الفرات ضد الوجود الانكليزي في الهند،والحصول على موطيء قدم في منطقة الخليج العربي ،او على سواحله الشرقية لاستخدامه في المناورات الدبلوماسية،وهذا ما جعل النشاط الفرنسي في هذه المنطقة يبدو كرد فعل على النشاط الانكليزي،اما الموصل فكانت بعيدة عن هذه المنافسة بحكم موقعها الجغرافي البعيد عن تلك المنافسة.

لقد تشبع السلطان محمود الثاني بالافكار الفرنسية في الادارة،فعمل على تطبيقها في دولته،وعزم على القضاء على سطحية الحكم القدم،واللامركزية ليحل محلها نظام مركزي قوي ،فعمل على القضاء على الامارات والزعامات المحلية القائمة في الايالات،وبقدر تعلق الامر بالعراق فقد استطاع القضاء على المماليك عام 1831م،وعلى الجليليين عام 1834م،وعلى امارتي بهدينان (العمادية)وراوندوز 1836م،وبقيت الامارة البابانية الى ان قضى عليها عام 1850م،تلك الاسر الحاكمة التي جزأت ولاية العراق في نظر السلطان العثماني كان لابد من ازالتها لتطبيق طرق الادارة المركزية وانجاح الاصلاحات التي كان ينشدها.

اما عن تطبيقات الاصلاحات في الولايات العثمانية وبقدر تعلق الامر بالعراق فان الدولة استطاعت فرض سيطرتها المركزية عليه بعد القضاء على المماليك في بغداد والجليليين في الموصل،وتم تعيين اول والٍ في العهد المركزي الجديد وهو علي رضا باشا اللازر وهو من اصل تركي وذلك عام 1831م بعد عزل داؤود باشا،وهناك عدة عوامل متشابكة عجلت في عملية سقوط النظام المملوكي ؛منها ضخامة القوة العسكرية التي كانت تحت امرة علي رضا ،وتحالف القبائل معه،والاخطر من ذلك تزامن انتشار الطاعون في بغداد مع فيضان نهر دجلة،كذلك فان كون علي رضا باشا اللاز قادراً على التغلب على داؤود باشا انه كان والياً على حلب وكان مطلعاً خلال حكمه على امور العراق وله صلات مع اعيان العراق.   

 

1-محمد أمين خيرالله العمري: منهل الأولياء ومشرب الأصفياء من سادات الموصل الحدباء حققه ونشره سعيد الديوه جي،(جـ1) – الموصل 1967.

2- سليمان الصائغ ، تاريخ الموصل ، القاهرة ، 1923 .

3-رسول حاوي  الكركوكلي ، دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء ، نقله عن التركية موسى كاضم نورس ، بيروت دون تاريخ .

4-إيمان متعب محي  ، أطماع نادر شاه الافشاري وتوسعاته الخارجية 1729-1747 ، مجلة اداب المستنصرية ، بغداد : 2009 ، ع 51 ، ص 1-33.

5-زكي صالح ، مجمل تاريخ العراق الدولي في العهد العثماني ، بغداد ، 1966 .

6- احمد علي الصوفي ،المماليك في العراق ، الموصل 1952.

7- Robert W. Olson, The Siege of Mosul and Ottoman-Persian Relatiotts 1718–1743, Indiana University Publications  (Bloomington: Indiana University Press, 1975)

2 Comments Add yours

  1. ahmedalalaq says:

    لي مقالا مفصلا عن حصار نادر شاه للموصل منشور على موقعي
    http://ahmedalalaq.3abber.com/post/88967

    1. omest says:

      اهلا وسهلا بك احمد العلاق ، سنطلع على مقالكم . تحياتنا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s