تأسيس مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية د. ناصر عبد الرزاق الملا جاسم


 

 

 

تأسيس مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية
د. ناصر عبد الرزاق الملا جاسم

كلية الآداب / قسم التاريخ / جامعة الموصل

صورة
طرأ في عام 1917م تحول خطير في الدراسات الاستشراقية في بريطانيا حيث تولت الحكومة البريطانية أمر إقامة مؤسسة أكاديمية في عاصمتها لندن لتنمية هذه الدراسات عُرفت باسم “مدرسة الدراسات الشرقية” لتؤكد مقولة إدوارد سعيد حول الارتباط التام بين الاستشراق والسياسة، ولتعزز المقولة الثابتة (المعرفة سلطة Knowledge is power) (1).
لعبت الجمعية الآسيوية الملكية التي تأسست عام 1832م دوراً قيادياً في الدعوة لإقامة مدرسة لتدريس اللغات الشرقية في لندن على غرار المدارس التي أقيمت في بعض الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا وروسيا وبدأت دعواتها تتحول إلى تيار قوي ومؤثر مع اتساع المصالح البريطانية في الشرق، وازدياد حدة التنافس مع بقية الأقطار الأوربية على الأسواق والمستعمرات فيه، ولاسيما منذ بداية الربع الأخير من القرن الماضي. ونجد في كل الخطب الافتتاحية للمؤتمرات السنوية للجمعية الآسيوية ابتداءً بعام 1892م إشارات إلى ضرورة إقامة مدرسة للدراسات الشرقية في لندن(2.(
إلا أن الخطوات العملية لتنفيذ هذا المشروع بدأت مع تشكيل اللجنة المعروفة باسم (لجنة اللورد راي) عام 1907م من قبل وزارة الخزانة(3). وقد أصدرت هذه اللجنة في العام التالي تقريراً أكدت فيه على تخلف الدراسات الاستشراقية في بريطانيا مقارنة بما هي عليه في أقطار أخرى كفرنسا وروسيا وألمانيا. وأن هذا التخلف لا يتفق وتعاظم المصالح البريطانية في الشرق. وارتأت اللجنة ضرورة إقامة مدرسة للدراسات الشرقية في لندن تكون منبثقة عن جامعة لندن، وتكون نواة هيئتها التدريسية من بين أستذة الدراسات الشرقية في كلية الملك والكلية الجامعية. 
وقد تمت مناقشة التقرير في مجلس اللوردات، وعهدت إلى لجنة جديدة برئاسة اللورد كرومر لاتخاذ الخطوات التنفيذية لإقامة هذا المشروع(4). وتم بالفعل استكمال كافة متطلباته من مباني وهيئات تدريسية وشخصية قانونية(5(
وصدر في حزيران عام 1916م مرسوم ملكي بإقامة مدرسة للدراسات الشرقية(6). وقد افتتحت المدرسة في احتفال كبير حضره الملك جورج الخامس نفسه وذلك في 23 شباط 1917م(7( 
وقد عكست الخطب التي ألقيت في هذا الحفل الأهداف التي أريد من أجلها إنشاء هذه المدرسة. وهذه الخطابات هي: 
1- خطاب رئيس مجلس إدارة المدرسة السير جون هيويت J. P. Hewett(8). 
2- خطاب الملك جورج الخامس (9(
3- خطاب اللورد كيرزن، خليفة كرومر في رئاسة اللجنة المشرفة على إقامة المدرسة(10). 
ومن مقارنة الخطب الثلاث يتضح ما يأتي: 
1- أجمع الخطباء الثلاثة على إبراز مسألة التناقض الكبير بين عظم مصالح بريطانيا في آسيا وأفريقيا والاهتمام بالدراسات المتصلة بها، والإقرار بالتفوق الأوروبي (الفرنسي والروسي والألماني) على البريطانيين في حقل الدراسة هذا. 
2- أكد كل من السير هيويت والملك على الأهداف السياسية والاقتصادية الكامنة وراء إنشاء هذه المدرسة، فقد رأى الأول بان هذه المدرسة ستقدم مكاناً يتلقى فيه أولئك الموظفون الإداريون والعسكريون، الذاهبون إلى مستعمرات بريطانيا في أسيا وأفريقيا دروساً في لغات وآداب وأديان وعادات أبناء هذه المستعمرات فنفوذهم وتأثيرهم إنما نبع من درايتهم بشخصية وأفكار وأنظمة هذه الشعوب(11). كما لم يغفل أن ينبه إلى العامل الاقتصادي حينما يشير إلى أن حجم التبادل التجاري البريطاني مع الشعوب الشرقية والأفريقية يتراوح بين مائتين إلى ثلاثمائة مليون جنيه سنويا(12). أما الملك فيلفت النظر إلى أهمية الفرص التي ستوفرها هذا المدرسة للبريطانيين في الهند ومصر لممارسة الإدارة بصورة جيدة، كما أنها ستؤهل التجار والصناعيين البريطانيين تأهيلاً يمكنهم من الحفاظ على مكانة التجارة البريطانية وسمعتها الكبيرة في الشرق(13) 
3- أكد الثلاثة على دور أساسي تلعبه المدرسة يتمثل بتعميق الصلات الثقافية مع المستعمرات البريطانية. وقد اختلفت طريقة التعبير عن هذه المسألة فيما بينهم. فالسير هيويت يأمل أن تصبح المدرسة مركز التقاء لعلماء الشرق بمختلف قومياتهم حيث ستوفر لهم الترحيب الحار والفرص الدراسية في أجواء من التعاطف الحميم(14). 
أما اللورد كيرزن فيفصل في هذا الأمر حينما يتأمل المدرسة وقد أصبحت “مركزاً لتبادل الأفكار بين الشرق والغرب وجسراً بين عقل وشخصية بريطانيا العظمى وبين تلك الشعوب الشرقية بهدف إزالة ما علق بالأذهان من أخطاء انبثقت عن الجهل”(15). أما الملك فيشدد على دور المعرفة التي توفرها المدرسة لتغذية روح الولاء والمواطنة والالتحام بين أبناء الأمم المختلفة التي تتكون منها الإمبراطورية وثنى على ذلك فابرز أهمية الصلات التي ستخلقها المدرسة مع اليابان حليفة بريطانيا في حربها ضد ألمانيا في تنمية روح التعاطف بين البلدين(16). 
4-انفرد الملك بالإشارة إلى الهدف الأكاديمي الخالص للمدرسة حينما نبه إلى ضرورة الاهتمام بالآداب واللغات الشرقية لذاتها لأن الأدب والفن القديمين للهند بالغي الأهمية بالنسبة للإنجاز الإنساني بمجمله، وتمنى أن يبعث أتشاء هذه المدرسة الاهتمام العام بالتراث الفكري لهذه القارة العظيمة، ولتحفيز ومساعدة الطلبة في جهودهم في حقل المعرفة هذا(17) 
أما بالنسبة للموضوعات التي تقرر تدريسها في المدرسة فيوضحها المرسوم الملكي الذي ينص على أن هذه المدرسة “ستقدم دروساً في لغات الشعوب الآسيوية والأفريقية، قديمها وحديثها، بجانب آدابها وتاريخها وأديانها وعاداتها”(18). وقد أكد كل من السير هيويت(19) واللورد كيرزن(20) على هذا الاتجاه، واستخدما لغة شديدة الشبه بما ورد في المرسوم. 
وقد قسمت المدرسة إلى سبعة أقسام وفق المجاميع اللغوية التالية: 
المجموعة الأولى (لغات الهند القديمة): السنسكريتية ولغة بالي. 
المجموعة الثانية (لغات الشرق الأوسط: 
1- العربية وتتألف من (أ) العربية الفصحى (ب) العربية الدارجة (لهجات مصر وبغداد وبلاد الشام). 
2- الفارسية. 3- التركية. 
المجموعة الثالثة (لغات شمال الهند وشرقها وغربها): الهندوسية والهندية والمراثية والكوجراتية . 
المجموعة الرابعة (لغة جنوب الهند: 
1- لغة التاميل والتلوكو 2- التاميل والسنكاليس 
المجموعة الخامسة (لغات هندية أخرى، الملايو: 
1– البورمية 2- الماليزية 
المجموعة السادسة (لغات الشرق الأقصى): 1- الصينية: أ-الماندرانية ب- الكانتونية 
2- اليابانية 3- التبنية 
المجموعة السابعة (اللغات الأفريقية): 1- السواحلية والبانتو 2- الهوسا(21)
وبالإضافة إلى تدريس اللغات يتجه الاهتمام لدراسة موضوعات أخرى كعلم الصوت والأديان والفلسفة الشرقية والأديان الأفريقية وحياة العائلة الشرقية والعادات والأفكار الأساسية والقانون والتاريخ الهندي ونحو ذلك(22). وقد جرى اختيار إدوارد دينسون روش مديراً للمدرسة وأستاذاً لكرسي الفارسية فيها كذلك. كما نقلت هيئات أقسام اللغات الشرقية في جامعة لندن إلى المدرسة باستثناء أقسام الآشوريات والمصريات والعبرية التي بقيت في الجامعة(23). كما أسند كرسي العربية للمستشرق توماس أرنولد عام 1921(24). وكذلك نقل طلبة الأقسام الشرقية في جامعة لندن (باستثناء الأقسام المشار إليها) إلى المدرسة وكان تعدادهم تسعة(25). لكن افتتاح المدرسة رافقه تدفق الطلبة إليها فبلغ تعدادهم في الفصل الدراسي الأول 75 طالباً(26). وأصبحوا مع بداية الفصل الثاني 125 طالباً(27)
ولكن إذا كنا قد توقفنا أمام أفكار وتأملات مخططي مشروع المدرسة، فالسؤال الأهم هو: ما هي حقيقة أهداف وخطط منفذيه. ولدينا لحسن الحظ نصان نفيسان بإمكانهما أن يستجليا بعض هذا الأمر. الأول افتتاحية العدد الأول من مجلة المدرسة كتبها السير دينسون روس، مدير المدرسة وأستاذ الفارسية فيها، والثاني محاضرة للمستشرق توماس أرنولد بعنوان “دراسة العربية” ألقاها في الفصل الدراسي الأول (أيار 1917م)(28). 
يتفق كلا الرجلين مع سابقيهم في التأكيد على الجانب العملي لمهمة المدرسة فيستشهد الأول بنص مرسوم التأسيس الملكي الذي يؤكد بأن تأسيس المدرسة قد جاء لتلبية حاجات أولئك الذاهبين إلى الشرق وأفريقيا لغرض البحث أو التجارة أو الوظيفة(29). 
أما الثاني فينبه إلى أهمية دراسة اللغة العربية لتزويد الموظفين البريطانيين في مصر والسودان وأفريقيا الوسطى وعدن وسواحل الخليج العربي والهند بالقدرة على أداء واجباتهم بصورة فاعلة(30). ويقتفي روس(31) وأرنولد(32) آثار هيويت وكيرزن وجورج الخامس حينما ينبهان إلى تخلف الدراسات الشرقية في بريطانيا مقارنة بأقطار أوربية أخرى وكذلك في ضوء اتساع المصالح البريطانية في الشرق. 
والحل والوحيد برأيهما، لوضع نهاية لهذا التخلف إنما يتمثل بربط دراسة اللغات الشرقية بالمقررات الأكاديمية الأخرى، وإحياء الاهتمام بدراستها سواء من قبل الهواة أو على مستوى البحث الأكاديمي البالغ العمق(33) وسنرى أن كب قد تمثل تماماً هذا الهدف وسعى طوال حياته إلى إنقاذ الدراسات الاستشراقية من وضعها الهامشي في الحياة الأكاديمية الأوربية وإدراجها في التيار المركزي للحياة الفكرية التي انبثقت عنها أصلاً(34) 
وشدد كلاهما، وفق ذلك، على الدافع الأكاديمي لإنشاء المدرسة، فقد نبه روس إلى أن الأهداف العملية يجب أن لا تقف في وجه تطور الأهداف الأكاديمية الخالصة، فالنية متجهة لجعل (المدرسة) مركزاً للبحث الشرقي(35). أما أرنولد فيرى في تأسيسها فرصة كبيرة لتعديل الأثر الكنسي الطاغي والمضلل على المواقف الاستشراقية البريطانية عن الإسلام والحضارة الإسلامية، وكذلك قاعدة لقيام بحث أكاديمي منصف لهذا الدين، الأمر الذي لم يتحقق، برأيه، حتى ذلك التاريخ.(36) 
ويكشف موقف أرنولد هذا عن اتجاه جديد في فهم الإسلام قوامه إشاعة روح من التعاطف والاحترام والتفهم. 
ويأتي نقيضاً لرؤية أرنولد السابقة لدور المدرسة، بوصفها مركزاً لتعامل جديد مع الإسلام، ابتهلت الأوساط التبشيرية البريطانية أن تكون هذه (المدرسة) سنداً قوياً لدعم حركة التبشير، فقد دبج المبشر المعرف سنتكلير تشدال(37) مقالاً مطولاً نسج فيه الآمال على قيام المدرسة بدعم الحركة التبشيرية المحمومة في الهند وإيران وبلاد المشرق العربي. لكننا نستطيع القول أنه في ظل وجود رجل مثل أرنولد في كرسي العربية وروس القليل الاكتراث بالأمور الدينية في منصب المدير(38)، فقد نأت المدرسة عن هذا الاتجاه لتتخذ لها طابعاً أكاديمياً مع اتصال وثيق بالسياسة البريطانية في الشرق. 

الهوامش 
ـــ 
(1) A. Hourani, Europe and the Middle East, Oxford, 1908. 
(2) P. J. Hartog, The origins of the school of Oriental Studies, BSOS, 1917– 1920, Vol.1, P. 5-9. 
(3) Ibid., p. 11. 
(4) Hartog, The Origins, p. 12 
(5) Ibid., p. 13- 19 
(6) W. St. Claire Tisdall, The London school of Oriental Studies, MW, Vol 7, 1917. 
(7) سجلت وقائع حفل افتتاح المدرسة ونشرت العدد الأول من مجلة المدرسة، انظر أدناه. 
(8) The Obeying Ceremony, BSOS, 1917– 1920, Vol.1, p. 24– 27. 
(9) Ibid., p. 24- 28 
(10) Ibid., p. 28– 31. 
(11) Ibid., p. 26. 
(12) Ibid., p. 26. 
(13) Ibid., p. 27– 28. 
(14) لعل ذلك هو ما دفع إلى اختيار روس مديراً للمدرسة وأرنولد محاضراً فأستاذاً، فكلاهما معروفان بصداقاتهم الحميمة مع العلماء الهنود أثناء ممارستهم التدريس في الهند، الأول مديراً لمدرسة كلكتا والثاني مدرساً في علكيرة، بل أن أرنولد قد عمل بعد عودته إلى بريطانيا مسؤولاً عن استقبال الطلبة الشرقيين وتسهيل مهمة التحاقهم بالجامعات البريطانية. ينظر: 
H. A. R. Gibb, Sir Tomas Arnold, p.25. DNB 
وعن صداقة روس بالعلماء الهنود ينظر: 
Hasan Suhrawardy,”review of ROSS`S” two ends of the candle”, JRCAS, 1953, vol 30, p.324. 
(15)”The Opening Ceremony”, p.31. 
(16) Ibid., p. 28. 
(17) Ibid., p. 28. 
(18) Tisdall, “the London..” P.396-397. 
(19)”The Opening Ceremony”, p.26. 
(20)Ibid., p. 30. 
(21) Tisdall, “The London..” p. 279. 
(22) Ibid., p. 297. 
(23) Harog, “The Origins…” p.20. 
(24) Gibb, “Sir T.W. Arnold” p.26. 
(25) Harog, “The Origins..” p.21. 
(26) Tisdall, “The London..” p. 398. 
(27) Harog, “The Origins..” p.21. 
(28) Hourone, p.108. 
(29) E.D. Ross, “Introduction” BSOS, 1917 – 1920 VOL.1, p.1 
(30) T.W. Arnold, “The Study of Arabic” BSOS VOL., 1917 – 1920, p. 114. 
(31) ROSS “Introduction”, p. 2. 
(32) Arnold “The Study.., p. 113 – 114. 
(33) ROSS “Introduction”, p. 2. ; Arnold “The Study.., p. 114. 
(34) Hourone, p.108. 
(35) Arnold “The Study.., p. 114. 
(36) Ross, “Introduction” p. 2. 
(37) Tisdall, “The London..” p. 399 – 400. 
(38) نوه أكثر من كاتب بشخصية روي غير الجادة والميالة للاستمتاع بالملذات. 
Anon, “The Obituary E.D. ROSS” MW, 1941, vol. 31, p. 210 
H. A. R. GIBB. “EDWARD Denison ROSS 1871 – 1940 JRAS, 1941, p. 49

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s