الدكتور جزيل الجومرد يتحدث عن حوار الحضارات


الدكتور جزيل الجومرد يتحدث عن حوار الحضارات

أجرى اللقاء: نبيل فتحي حسين

الدكتور جزيل الجومرد، النجل الأصغر للسياسي العراقي المعروف وأول وزير خارجية للعراق بعد سقوط النظام الملكي (14 تموز 1958)، الدكتور عبدالجبار الجومرد، يقوم بتدريس التاريخ الاسلامي في كلية التربية/ جامعة الموصل منذ عام 1984.. وقد انتخب مؤخراً مساعداً لرئيس جامعة الموصل.

الدكتور جزيل الجومرد يمثل مدرسة فكرية تحاول أن تعيد دراسة وتقييم التاريخ الاسلامي بصورة صحيحة، وهو أحد القلائل الذين لهم اطلاع كبير على الفكر الغربي والاسلامي معاً. إلتقته (الحوار) وارتأت أن يكون الحديث حول موضوعه المفضل (حوار الحضارات).

الحوار: فكرة (حوار الحضارات) – بمفهومها المعاصر – الذي يدعو إليه كثير من المفكرين، ماذا تعني؟ ومتى بدأت تنطلق الدعوات الى تحقيق الحوار الحضاري؟

الدكتور جزيل: في الحقيقة أنا لا أعتقد أنَّ هناك مفهوماً واحداً لـ(حوار الحضارات) في الوقت الحاضر، بل هناك أكثر من فهم – وربما أكثر من تصور- ولكن، بشكل عام –وكمصطلح – يفهم من (حوار الحضارات) أنه اللقاء بين الحضارات ومحاولة التفاعل لإنتاج ما هو أثمن، في إطار حضاري أكثر جدة، وأكثر فائدة ونجعة بالنسبة للإنسانية. ولكن – مرة أخرى – لا أستطيع القول أنَّ (روجيه غارودي) – مثلاً – يفهم حوار الحضارات – بالضبط – كما يفهمه السيد (محمد خاتمي)، كما لا أستطيع القول أيضاً أنَّ حوار الحضارات بالنسبة للجميع هو حوار سلمي بحت، إذ ربما قد يخرج عن هذا الإطار إلى ما يسمى بـ(التصادم) كما قال (هنتغتون). ولكن – مرة أخرى – يمكن أن نفهم من هذا المصطلح – إذا كنا حسني النية الى حد بعيد – أنَّه اللقاء بين العناصر المتحضرة التي تحمل الرؤى الإيجابية الإنسانية من أجل تطوير هذه المعطيات الإيجابية الإنسانية باتجاه أكثر فائدة ونجعاً بالنسبة للإنسانية جمعاء.

وللحقيقة فإنه ليس من السهل تحديد تاريخ معيَّن لانطلاق مثل هذه المقولات أو الصيحات، ولكن يمكن القول أنها قديمة جداً، إذ قد يعود بها البعض إلى زمن الأغريق، فهل كان الاسكندر المقدوني – مثلاً – بوحي من إيعازات (أرسطو) معلمه الأول، محاوراً حضارياً عندما انطلق نحو الشرق وفتح البلاد وحاول أن يمزج الحضارات المختلفة؟ ولكن هناك شيء – ربَّما – من القسر في هذه العملية، فهل هو حوار فيه من القسوة والقوة والاجحاف، أم يمكن اعتباره بدايات حوار حضاري؟ ثم هناك حوار حضاري تلا ذلك، عندما نشأت مدرسة الاسكندرية وتحاورت كل من المسيحية واليهودية والأفلاطونية القديمة في حوار آخر هو (الأفلاطونية المحدثة). والإسلام – كأيديولوجية – محاور حضاري من طراز رفيع له أصوله وله مبادؤه وله قواعده، وقد انطلق في حواره مع الآخرين ومع الحضارات الأخرى من هذه المنطلقات، وتمكن من استيعاب الكثير من معطياتها، وتمازج مع الكثير من ثقافات الإغريق القديمة، والفرس القديمة، والهنود القديمة، وضمَّها إلى الساحة الثقافية، وروج لها، وأعطاها المؤسسات الكبيرة التي يمكن أن تزدهر بها من مدارس وجامعات.. الخ. ولكن – مرةً أخرى – الإسلام كان له حدوده الحمراء التي لم يكن يقبل للمحاور الحضاري الآخر أن يتجاوزها على حسابه. ثم جاءت محاولات أخرى في عصر النهضة، ومحاولة أوروبا الإنطلاق في عصر التنوير. مرة ثانية حاولت أوروبا – رغم أنها هذه المرة تنطلق من ذاتها انطلاقاً ذاتياً صرفاً – أن تتصل بالشرق وتتحاور معه، ولكن أقولها – بصراحة – من نظرة عليا الى شيء أدون، كما هو الحال في زمن (فولتير)، وكما هو الحال في زمن (نيتشه)، وهؤلاء أيضاً حاوروا الحضارات الشرقية وأعادوا تصويرها، كما يشتهون هم، وهذه هي المشكلة الكبيرة: أنْ تحاور أنت من أجل أنْ تفهم الآخر شيء، وأن تحاور من أجل أن تطور ذاتك شيء، أما أن تحاور من أجل إعادة بناء الآخر – كما تشتهيه أنت – فهذا شيء آخر.

الآن تصبح المسألة أكثر بروزاً وأكثر إنسانية من أي وقت مضى، وربما أكثر حيادية، وأعتقد أنَّ أكثر الأصوات وضوحاً في عصرنا الحاضر، دعوة الى مثل هذا الأمر، هي دعوات (روجيه غارودي)، ثم تلتها الآن دعوات السيِّد (محمد خاتمي).

الحوار: هل يمكن القول بأن الحوار الحضاري القديم – حوار الاسكندر المقدوني مثلاً – هو حوار غير مقصود؟

الدكتور جزيل: لا، لقد كان حواراً مقصوداً، فاليونان مثلاً – ولدينا ما يثبت هذا وثائقياً من أقوالهم – كانوا ينتظرون من الآخر أن يقول مقولته، ويروى عن أحد مفكِّريهم إخباره من حوله أنَّه حبذا لو تركت الفرصة للحصان ليقول ما يراه تجاه الإنسان! ففكرة الرأي الآخر هذه ثم الحوار الحضاري مقصودة جداً، والإنسان يسعى إليها، لا بل إن أي إنسان – حتى البسيط من البشر – يسعى في كثير من المناسبات إلى أن يتحاور حضارياً مع جاره، مع قريبه، وأحياناً حتى مع عدوه، من أجل أنْ يصل إلى نتيجة أكثر إيجابية في تقويم سلوكه أو تطوير إمكاناته.

الحوار: على من يقع – في رأيكم – عبء تحقيق الحوار الحضاري؟

الدكتور جزيل: عبء تحقيق الحوار الحضاري، لا يمكن تخصيص من هو مسؤول به، أو بمن يجب أنْ يُناط. أنا أعتقد أنها مسألة إنسانية صرفة، قد يمارسها الإنسان البسيط وقد يمارسها الإنسان المعقد، قد يمارسها ابن السوق وابن الشارع وابن الحرفة، وقد يُمارسها الأستاذ الجامعي، وقد يمارسها المثقف، وتختلف مواصفاتها في كل هذه الأحوال. إنَّ صاحب أية حرفة – مثلاً – عندما يجد زميلاً له أو ندَّاً له في حرفته، من مجتمع آخر، قد يأخذ منه الكثير، قد يستبدل آلات هذا الشخص بآلاته، قد يستبدل بعض طرق تفكير هذا الشخص ببعض طرق تفكيره، ولكن تبقى هناك خصوصيات للطرفين، وهذه مسألة معروفة. هناك أيضاً حوار متاح على مستويات أكثر تعقيداً وأكثر اتساعاً، عندما يكون الحوار بين أناس مثقفين أو فلاسفة أو مفكرين كبار، فهؤلاء سوف يتناولون مواضيع واسعة في فضائها أكثر من تلك التي يتناولها رجل الحرفة البسيطة أو التاجر البسيط.

الحوار: ألا تعتقدون أن تحقيق الحوار الحضاري سيشكل عقبة كأداء أمام الجهود الرامية إلى فرض العولمة على مجتمعات القرن الواحد والعشرين؟

الدكتور جزيل: أنا أعتقد أنَّ الحوار الحضاري قائم، والعولمة سوف تسرع من الحوار الحضاري، سوف تدفع بالحضارات والثقافات المختلفة الى التحاور بأسرع وقت قبل ان يأتيها المد الاقتصادي، لأنَّ العولمة في أسسها إقتصادية، إستهلاكية، رأسمالية.. الخ، فهي تُسَرِّع من عملية الحوار الحضاري، كي تأتي إلى النتائج ثم تعمل على إقامة عولمتها على ضوء تلك النتائج أو تبعاً لها، فهي تستحث وتحثُّ الحوار الحضاري، ولكن ليس بالضرورة حثاً من أجل الحوار الحضاري نفسه بقدر ما هو من أجل أن تخلق الأماكن المناسبة للعولمة لكي تحيا ولكي تعيش فيها. وقد يؤدي هذا إلى أن بعض الحضارات البطيئة في حوارها، أو المحاورين الحضاريين البطيئين في حوارهم، قد يؤخذون على حين غرة نتيجة لهذا الفيض السريع والمقتحم من قبل العولمة، ولكن – مرة أخرى – العولمة هي محفز في نظري للمفكرين الجيدين السريعي البديهة للوقوف ودخول الحوار الحضاري بأسرع وقت وانجاز مهامهم والخروج بنتائج قد تعدل من أساليب العولمة في فرض نفوذها على الأماكن وعلى الجغرافيا.

الحوار: عند من تقفون، من الشخصيات الفكرية والفلسفية في عالمنا المعاصر، ممن روجوا – وبقوة – لفكرة حوار الحضارات، سواء كان ذلك في العالم الاسلامي أو في عالم الغرب؟

الدكتور جزيل: الحديث عن حوار الحضارات كثير وكثير جداً، وقد إزداد عدد الداخلين في حلبة الحديث عن حوار الحضارات زيادة كبيرة، ولكن هناك في يومنا هذا إسمان مهمان في هذا المجال، الإسم الأول هو لروجيه غارودي، المفكر الفرنسي الذي نستطيع القول أنَّه جدير كل الجدارة بأن يقرأ وأن يستمع إليه، رغم أن الرجل يوشك – الآن – أن يغادر هذا العالم. روجيه غارودي تنقل بين أفكار شتى وفلسفات شتى وآيديولوجيات شتى، فقد بدأ شيوعياً، ثم عاد مطوِّراً ماركسياً، ثم بعد ذلك – ربما – مسيحياً، ثم انتقل لكي يصبح مسلماً، ودرس الهندية والحضارات الهندية، واستغرق الحضارات الأفريقية القديمة – بعضاً منها أو كلها – فهو رجل يستطيع فعلاً وعن جدارة، أنْ يدعو أو أن يدعي لنفسه أنه محاور حضاري، وقد قدم جهداً واضحاً في كتابه (حوار الحضارات)، وهو كتاب ثمين، مليء، زاخر بالمنفعة والفائدة الحوارية إلى حد كبير.

أما الاسم الثاني، والذي يمثل صوتاً حاول أنْ يدوي عالياً داعياً الى حوار الحضارات، فهو السيد (محمد خاتمي). إنَّ خاتمي يطرح آراءً متواضعة، من منطلق متواضع، ولكنها آراء ممتازة، وهو أستاذ جامعي جدير بالدعوة الى الحوار الحضاري، فضلاً عن أنه رئيس جمهورية قادر – كسياسي – على أن يصيغ لغة الحوار صياغة دبلوماسية. وقد كنت أتمنى أن نسمع كيف يحاور الغرب عندما ذهب الى فرنسا – في مرة من المرات – وحاول أن يلقي في (السوربون) محاضرة عن الحوار الحضاري، ولكن بعض أنصار الحركة الصهيونية في فرنسا عارضوه ومنعوه من إلقاء محاضرته هناك، فضاعت فرصة أن تفتح نافذة ربما كان يمكن أنْ تكون نافذة مشرعة لو أنه سمع بفتحها.

الحوار: أين تكمن – في رأيكم – أهمية ما قدمه غارودي بالنسبة لحوار الحضارات؟

الدكتور جزيل: إن أهمية غارودي تكمن في أنَّه قدَّم طروحاته في عالم محتدم، في عالم مصطرع، في عالم إزدادت فيه قوة السلاح قوة رهيبة، وبلغت حداً تستطيع معه أنْ تفني البشرية، فهو رجل يطلق صيحاته وسط صيحات القنابل المدوية الكبيرة الهائلة، ومع ذلك – وهو فرد – استطاع أن يُسمع صوته؛ له أعداء وخصوم كثر، ولكن له أيضاً أصدقاء ومحبون لآرائه ولأفكاره ولمجرد نزعته في الحوار الحضاري، فهو رجل مسموع الصوت في وسط دوي السلاح وقعقعته الكبيرة في عصرنا الحاضر.

هناك مسألة أخيرة أود أن أشير إليها وهي أنَّه أمام الزخم الأمريكي، وصراع القوى العالمي، وأزمة الأسلحة، يمكن مرة ثانية أمام صيحات العنف، أن تضيع صيحات الحوار، والصيحات الداعية إلى السلم، والصيحات الداعية الى الإنسانية.. الخ، وكل الذي نأمله أن لا تطغى أصوات الأسلحة وقعقعتها على أصوات الإنسان التي هي أهم وأجدى وأخلد وأثمن كي تبقى وتستمر في الوجود

الحوار: الاستاذ الدكتور جزيل الجومرد شكراً لكم.

الدكتور جزيل: شكراً جزيلاً.

مجلة الحوار/ العدد (13)، السنة الثانية، آب، 2003، ص39-41.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s