النص التاريخي بين الصياغة الإسلامية والرؤية الاستشراقية حوار مع الأستاذ الدكتور جزيل عبدالجبار الجومرد أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية التربية/جامعة الموصل أجرى اللقاء/ نبيل فتحي حسين


صورة

الأفق الجديد: إلى أي مدىً ترك الإسلام أثره في صياغة النص التاريخي؟ ؟ وإلى أي مدىً أثرت تنوعات المسلمين العقائدية والمذهبية في صياغة هذا النص؟
الدكتور جزيل: هذه أسئلةٌ كثيرةٌ لا يمكنُ بسهولةٍ اختزال الإجابة عنها بصورةٍ سريعةٍ عابرة، ما لم تكن متأنيةً ودقيقةً ومنسجمةً مع جملة الأسئلة التي طرحت. النص ـ بدون شك ـ أي نص، هو تعبيرٌ عن حالةٍ يعيشها كاتبه، ومن خلالها يَصِفُ أو يوَصِفُ حدثاً أو حالةً أو ظاهرة..إلخ. ولهذا فإنَّ النصوص ـ وبدون شك ـ هي ملكٌ لكتابها، وإنَّ أيّ نص يعبرُ تعبيراً يكادُ يكونُ متكاملاً عن شخصية وانتماء واتجاه وذائقة صانعه. حتى في حالة كون النص مُستعيراً ـ في مضمونه أو في ثناياه ـ لعباراتٍ وجملٍ مُستَهْلَكَةٍ سابقةٍ أو قديمةٍ اقتُبست أساساً وضمنت في داخل النص، فإنها تصبحُ ملكاً لصاحبها الجديد لأنهُ وضعها في سياقٍ هو راضٍ عنه، وفي النهاية هو صاحبه.
هل أنَّ الإسلام أثر في بناء النص أو في تشكيل النص أو في صياغة النص أو حتى في أسلوبية النص. نعم بلا شك، فالإسلامُ ديانةٌ سماويةٌ عظيمةٌ، وإنَّ من يعتنقها من المفكرين أو الكتاب، سوفَ تخضع نصوصهم لمؤثراتها التي قد تكون أسلوبيةً أو لغويةً أو ذهنيةً أو فكريةً أو حتى نفسية. وهكذا فكما أنَّ بإمكاننا أنْ نفرز نصوصاً كُتبت في مناخٍ مسيحي أو يهوديٍ أو بوذيٍ أو كونفوشيوسيٍ مثلاً، فبالإمكان بسهولة أنْ نتحسس المؤثرات الإسلامية في أي نصٍ أنتجهُ كاتبٌ مسلم.
أما فيما يتعلقُ بأثر التنوعات العقائدية والمذهبية في صياغة النصوص التاريخية عند المسلمين، فيمكنُ القولُ بأنّ هذا الأثر كان حاضراً ـ هو الآخر ـ منذ الوهلة الأولى، وعندما بدأ إنتاج النصوص التاريخية كتابياً، بل وحتى عندما أُنتجت النصوص روايةً مشافهةً ثم تناقلتها شفاه الرواة إلى أنْ استقرت كتابياً ـ وهو الشكل الذي وصلنا ـ نجدُ أنَّ التنوع العقائدي والذهني وحتى السياسي الآيديولوجي المبكر، سواء كان عند الخوارج أو الشيعة أو السنة أو المرجئة أو القدرية أو المعتزلة..إلخ، تركَ ملامحهُ في النتاج الثقافي المكتوب لمن ينتمون إلى هذه التنوعات، ومثال ذلك كتاب “البدء والتاريخ” للبَلْخي ـ كما يُزعم ـ وهوَ كتابٌ ذو طابعٍ اعتزالي، ورغم عدم وضوح ملامح الاعتزال في نصٍ يحكي حدثاً، إلا أنَّ أحد الباحثين وهو (طريف الخالدي) تمكنَ من رصد كل ما هو اعتزالي في تدوين النص، وهو يروي حدثاُ وليس عقيدة. فبالإمكانِ – إذن – رصدُ المؤثرات العقائدية أو المذهبية في عرض النصوص التاريخية، سواء كانت مؤثرات سنية أو شيعية أو اعتزالية أو حتى شعوبية، كما يظهر لنا بصورةٍ جلية عند الإخباري والنسابة المعروف (أبو عبيدة معمر بن المثنى).
الأفق الجديد: هل يعني هذا أنَّ الأشخاصَ الذين لا تتضح معالم عقائدهم أو ميولهم المذهبية، بإمكاننا أن نتبين مثل هذه العقائد أو المذاهب من خلال نصوصهم التي يكتبونها؟
الدكتور جزيل: نعم بإمكاننا ذلك، ولكن ليس من المستساغ اكتشاف عقيدة صاحب النص بواسطة أناسٍ ذوي خبرةٍ محدودة، لأن ذلك ربما قد يؤدي إلى صدور اتهامات أو تشويهات، وربما سوف يلونُ التاريخ بغير ألوانهِ الصحيحة، ولكن ـ مرةً أخرى ـ إذا امتلك المؤرخ المعاصر مُكنةً حدسيةً جيدةً فإنهُ يستطيع بالفعل أنْ يتحسس أين يقف صاحب النص من خارطة العقائد، ومن خارطة الإتجاهات المذهبية أو الفكرية. ومهما كان المؤرخ ـ صاحب النص ـ متدرباً على عملية إخفاء الطوايا، وحتى عند تناوله لقضايا يظنُ البعضُ عدم ظهور العقائد فيها، فإنهُ بالإمكان أنْ تُشم رائحة العقيدة أو الاتجاه أو التيار الذي يسعى كاتب النص إلى أنْ يكونَ في سياقه.
الأفق الجديد: هل يعني ذلك أنَّ النص التاريخي اليوم أصبحَ في غاية الخطورة وفي غاية الحساسية، وأنهُ يتطلبُ إمكاناتٍ هائلةٍ ضخمةٍ من قبل المؤرخين؟
الدكتور جزيل: دائماً كان النص يتطلب امكاناتٍ كبيرة، وعندما كان يُساء فهم النص تُساء كتابة التاريخ، وعندما تُساء كتابة التاريخ تُساء عمليةُ صياغةِ الذاكرة، وبالتالي فإن ذلك يعدُ خللا خطيراً قد تقع فيه أمة، وليس عدد قليل من الأشخاص أو القُراء.وللحقيقة فلسنا اليوم في وضعٍ يختلفُ عن وضعنا بالأمس، فنحنُ دائماً بحاجة إلى متانةٍ ونفاذ بصيرةٍ في التعامل مع النصوص، ولكن هذا لا يتأتى إلا بالثقافةِ الواسعة، إذْ إنَّ التعامل مع النصوص ليس لعبة.. نعم ربما يكون مِراناً مُمتعاً بالنسبة لشخصٍ يتناول النصوص، ويحاول قراءتها وتحليلها وتفسيرها، ولكنها قد تكونُ أيضاً عمليةً بشعةً عندما ينبري أحدهم في محاولةٍ لتشويه فكر الآخر أو اتهامه بالباطل على ضوء قناعاتٍ غير واقعية وغير صحيحة، أو غير مؤسسة على معرفة، فهذا ما ينبغي فرزه، ولكننا نتحدث عن باحثٍ صادقٍ يتناول النص، وإنَّ مثل هذا الباحث ينبغي أنْ يكون خبيراً، حَسن الحدس، مدرباً على كيفية تناول النصوص والتعاطي معها، خبيراً بنقود النصوص، أي أنهُ يعرفُ من أين تؤتى النصوص. ورغم كلِ ذلك فإن مسألة فهم النص التاريخي وتفسيره وتأويله تبقى في غاية الأهمية والخطورة، ولم يتخل الإنسان يوماً من الأيام عن عملية تفسير وتأويل النصوص، ودراستها وفهمها، وهذه ليست مسألة تطور أو تخلف، بل هي مسألة تعتمد على قدرة المحلل، أو القارئ على فهم النص.
الأفق الجديد: إلى أي مدىً حضرت السلطة السياسية أو النظام السياسي في صياغة النصوص التاريخية عند المسلمين، وهل كان لمثل هذا الحضور آثاره السيئة؟
الدكتور جزيل: السلطة السياسية لها أثرها في أي نصٍ يحيا في الفضاء الذي تهيمن عليه تلك السلطة، قديماً أو حديثاً، سواء كان ذلك في فضاءاتٍ دكتاتوريةٍ مستبدةٍ، أو فضاءاتٍ ديمقراطيةٍ أو تدَّعي الديمقراطية. كما أن صاحبَ النص هو دائماً ما يكون عرضة لضغوط متوقعة، سواء وضعت عليه مثل هذه الضغوط أم لم توضع، وأحياناً نجد أنه أخضع نفسه للضغوط طواعية، أو تهرب منها خوفاً من تداعيات ما، ولذلك فهو يصنع النص وفقاً لمخاوفه ولمحاذيره أو لضغوطات وتوجيهات الآخرين التي تسلط عليه. فالنص في أي زمان ـ ومهما كان نوع السلطة السياسية دكتاتورية أو ديمقراطية ـ يأخذُ سياقاتهِ المتأثرة بالواقع السياسي. والواقع السياسي هو الأكثر تأثيراً في صياغة النصوص بلا استثناء.. نعم قد نجد مؤرخاً يمتلك حريةً في صياغته لنصوصه، ولكن صياغتهُ لنصوصه بهذا القدر من الحرية الذي يمتلكه هو تعبير عن حالة السلطة في زمنه. وهناك حالات أخرى غير هذه الحالات ـ التي يمكن القول بأنها حالاتٌ انسيابية ـ تتدخل فيها السلطة تدخلاً قسرياً في صياغة النص التاريخي، وهنا يكونُ التدخل واضحاً وقسرياً، ويستجيب له المؤرخ رغم أنفه، ولكن هناك حالات لا تبدو فيها الضغوط ملموسة، وهنا أيضاً تبدو آثار ضغوط نسبية قائمة إما هي تعبير عن محاذير أو مخاوف أو حتى جرأة.وربما يكونُ أحد المؤرخين جريئاً، ويكتب نصاً ما في ظرفٍ استبداديٍ أو قسريٍ أو مخيف سلطوياً، ولكن عندما نقرأه لا نجد تلك الجرأة المتوقعة، ولكن هذا لا يعني أنهُ كان كاذباً، وإنما يعني أن ذلك المؤرخ كان يعتقد أنهُ كان يمتلك جرأة قياساً إلى ما هو متاح، أي أن ما قدمه – فعلاً – عملٌ جريء بالنسبة للحالة المتأزمة التي يعيشها. وليست الجرأة متشابهة ومتساوية، وليست هناك معيارية للجرأة، بل إن الجرأة تتناسب وحجم الضغوط، ومقدار الفسح والحريات، وحجم ما يسميه البعض بالديمقراطية أو القسر..إلخ، وحتى في حالات الزعم بوجود جرأةٍ ووجود حريةٍ لا يحدد الكاتب ذلك، بل يحدده القارئ من خلال تحليله للنص.
الأفق الجديد: كيف تقيمون موقف المستشرقين من هذا الكم الهائل من النصوص التاريخية التي وصلت إلينا، والتي كان بعضها حيادياً أو متأثراً بضغوطات سياسية أو عقائدية؟
الدكتور جزيل: هذا موضوعٌ طويلٌ جداً، ولكي نخلص إلى إجابةٍ واضحةٍ وغير معقدة ـ رغم تعقد الموضوع ـ يمكننا أنْ نقول بأنَ المستشرقين يتعاملون مع النصوص التاريخية التي قدَّمها المؤرخون المسلمون كالبلاذري والطبري والمسعودي من زوايا مختلفة. فقبل كل شيء نجد أن المستشرق قدْ يظن أنهُ قادمٌ من حضارةٍ أكثر تفوقاً، وبالتالي فإنَّ مثل هذه النصوص بحاجةٍ إلى أنْ يُشَكَك فيها، وبحاجةٍ إلى أنْ توضع حولها علامات استفهام كثيرة، وأن لا يُركن إلى جودتها من حيث التعبير والقدرة على التوصيف..إلخ، فهنا ينبري المستشرقون أحياناً إلى الزعم بأنهم أقدر على فهم ما عجز النص عن تقديمه، وهذا أمرٌ خطير لأنهُ ليس بالضرورة أنْ يكون المؤرخ عاجزاً، ذلك أن لدينا مؤرخين جبابرة في الماضي كالطبري الذي كان مفسراً ولغوياً، ومن كبار القُراء، والذي كتب كتابه في التاريخ في سبعين مجلداً أو أكثر، ثم عاد واختصره في سبعة مجلدات، فمثل هؤلاء المؤرخين لا نشك للحظة واحدة بقدرتهم على التعبير عمَّا يريدون. كذلك فإن المستشرق ينبري في التعامل مع النص من أرضية خاصة به، وهذا لا يعني أنها سيئة أو حسنة، فأي إنسان يتوجه لقراءة نص أو لتأويل نص ينطلق من واقع ثقافي معين، والمستشرقون ينطلقون من فضاءاتهم الثقافية ومرجعياتهم الفكرية التي هي أوروبية آرية مسيحية أحياناً، أو يهودية، أو حتى علمانية لا تنسجم مع النصوص الإسلامية. ونحن أحياناً نفضل أن تكون المرجعية التي ينطلق منها الباحث أو المحلل أو المؤول للنص هي نفس مرجعية صاحب النص، حتى يكون أكثر قدرةً على الفهم والتعاطف، ونرفض أنْ يأتي شخص من ثقافة أخرى، يتناول نصوصنا، ويحاول الادِّعاء أنهُ يفهمها. وإن كان لا مناص من الإقرار بوجود عددٍ من المستشرقين لا بأس بهم، تمكنوا من أنْ يتجردوا نسبياً، ويُقدِّموا قراءاتٍ وتأويلاتٍ مناسبة للنصوص، وأنْ يفهموها ربما بشكل يفيدنا أيضاً عند محاولتنا لفهم نصوص الأقدمين.
الأفق الجديد: هل تعتقدون بحدوث تطورٍ في تعامل المستشرقين مع النصوص التاريخية، خصوصاً وأن الاستشراق كان قد وصف يوماً من الأيام بأنه يعمل ضمن أطرٍ سياسيةٍ أو استعمارية، ثم أصبح مع الوقت أكثر أكاديمية؟
الدكتور جزيل: ربما كان الجواب على هذا السؤال ـ بالشكل الذي طرحته ـ ممكناً قبل حوالي عشرين عاماً، عندما ظننا جميعاً أن الاستشراق انتقل من مرحلة استعمارية إلى مرحلة أكاديمية محايدة، ولكن سرعان ما تبين لنا في العقدين الأخيرين أن الاستشراق بدأ بتحولٍ ثالث، عندما شرع بالإسهام في مسألة صراع الحضارات، وطلع مؤرخون جدد على الساحة بعقائد وآيديولوجيات ـ قد يكون بعضها قديم ـ دينية أو فكرية آيديولوجية أو حتى عرقية، وبدأوا يتعاملون من جديد مع المعطى الشرقي تعاطياً ينظر إليه كثيرٌ من المسلمين على أنهُ متجن وسيىء، وهنا ـ مرةً ثانية ـ وبعد أنْ مرَّت فترة من الزمن ـ ربما خلال مرحلة الحرب الباردة ـ خرج المستشرقُ عن طوره العقائدي الديني المتزمت المتعصب المناقض للإسلام، إلى ما يبدو أكاديمياً الآن، ولكنه ما لبث أن فقد أكاديميته مرَّة أخرى، وإنْ كان لا يدَّعي أنهُ فقد أكاديميته، فهو لا يزال يزعم أنهُ يعالج الأمور وفق منطقٍ علمي، ولكن كل من يقرأ كتابات المستشرقين الجدد يجد فيها موجةً من التضاد أو الرفض أو الكره للإسلام والمشرق. وهذا يعني أن هناك مراحل جديدة في تطور الاستشراق وتعامله مع الإسلام.
الأفق الجديد: المستشرقون ـ باختلافاتهم الجغرافية ـ هل تعتقدون بوجود اختلافات بينهم وهم يتعاملون مع النصوص
التاريخية، أي إذا صحت العبارة هل أن المؤرخ الألماني يختلف في تعامله مع النصوص عن المؤرخين الإنكليز أو الروس أو الأمريكان؟
الدكتور جزيل: نعم بلا شك، والسبب في ذلك هو اختلاف المؤهلات الثقافية، فكل واحدٍ يمتلكُ تأهيلهُ الثقافي المختلف، وكل واحدٍ يمتلكُ خصوصياته وينطلق من منطلقاته، وأنت لكي تفهم المستشرق ـ كما تفهم أي شخص آخر يحاول تأويل أو تفسير أو فهم النص ـ عليك أنْ تدرك من أين ينطلق، وما هي المقومات أو الركائز التي تكون رؤيته. وبالطبع حتى الألمان أنفسهم يختلفون مع بعضهم في فهم الإسلام.. إذن هناك اختلاف بلا شك، وهناك مؤسسات علمية غربية عريقة قديمة قد تجذرت فيها مواقف قديمة، ونتيجة لقدم هذه المواقف ازدادت زوايا انفراجها عن بعضها، وبالتالي ففي ألمانيا هناك مدارس استشراقية، وكذلك الحال في أمريكا وبريطانيا، فليس كل المستشرقين متفقون، وليست هناك قواسم مشتركة كبيرة بينهم، فانتساب المستشرق إلى هذه أو تلك من الدول يضيف إلى عناصر تكوين قاعدته المعرفية، ويؤثر في تكوين مرجعيته، وبالتالي يُنَمِطُ أسلوب تعامله مع النص التاريخي.
الأفق الجديد: أيٌ من المستشرقين ـ جغرافياً ـ تعتقدون أنهم كانوا أكثرَ دقةً وأكثر عمقاً وأكثر حيادية في تعاملهم مع النصوص التاريخية؟
الدكتور جزيل: مرةً ثانية هذا التحديد الجغرافي ربما لا يمكن البت فيه بسهولة، لأنه حتى هنالك من هم من الألمان من المستشرقين ولكنهم عندما غادروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية قدموا دراسات أو قراءات مختلفة، أو ربما نفس القراءات السابقة التي قدموها، فالمستشرق أحياناً يكون منتسباً إلى موقع جغرافي معين، وعندما يغادره إلى موقع جغرافي آخر نجد أنه يتحول مع التحولات التي تحيا على الواقع الجغرافي الجديد، وهذا ما حصل مع المستشرق البريطاني المعروف برنارد لويس مثلاً الذي كان يعيش في بريطانيا، وكانت له مواقف واضحة أكثر أكاديمية مما أصبحت عليه عندما غادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح أكثرَ عنفاً وتجرأ على الإسلام أكثر بكثير مما كان يفعل سابقاً، رغم أنهُ في الحالتين كان ذا اتجاهٍ معادٍ واتجاهٍ غير محمود بالنسبة للمسلمين. فالجغرافية إذن تترك أثراً في تكوين المستشرق. ومن الجدير بالذكر أن هناك مستشرقون روس قدموا قراءاتٍ ممتازةٍ في التراث، ولكنها لا تجعل بالضرورة المستشرقين الروس في المقدمة، فكراتشكوفسكي مثلاً قدم قراءاتٍ في الأدب الجغرافي العربي في غاية الروعة، والكثير منها ـ رغم مضي قرن من الزمن عليها ـ لا يزال فعالاً ومفيداً في دراسة الجغرافية العربية الإسلامية.
نحن ـ كمسلمين ـ نختلف في تقييمنا للمستشرقين، إذ ليس هناك قواسم مشتركة كبيرة بيننا ـ كمسلمين ـ في مواقفنا من المستشرقين، رغم أننا قد نتفق في بعض الأحيان في تقييمنا لمستشرق ما كبرنارد لويس ـ مثلاً ـ الذي يرى الكثيرون أنه ليس متعاطفاً مع الإسلام في أحسن العبارات.
الأفق الجديد: هل يمكنُ القولُ بأنَ المستشرقين قدموا لنا خدماتٍ جليلة في فهمنا للنصوص التاريخية وتعاملنا معها، خصوصاً من خلال تعاملهم مع الإنجيل أولا وتطبيقهم أساليب معينة في النقد والتحليل؟
الدكتور جزيل: ليس من السهولة الاتفاق بين مثقفينا المسلمين اليوم على ما إذا كانَ هؤلاء المستشرقون، بعضاً منهم أو جلهم أو قلة منهم، قد أسهموا في تكوين إضافةٍ في فهم التراث أو في فهم النصوص التاريخية الإسلامية. ولكن إذا تركت لأحدنا حريةَ التعبير عن نفسه، إذْ ليس بالضرورة أنهُ يعبر عن الجميع، يمكنُ القول بأن المستشرقين أسهموا إسهاماً مفيداً جداً في تحقيق النصوص، وربما كان جلبهم لطرائق التحقيق التي استخدمت في تحقيق النصوص اللاتينية في أوروبا في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر الميلادية، بعد أنْ نضجت تماماً، إلى واقع التراث الإسلامي، قدمَ خدمةً جليةً في هذا المجال، فهم نبهوا إلى أهمية المخطوط القديم، وقدموا لنا منهجاً في إحياء النص القديم بطرقٍ تقنيةٍ عالية الجودة نقدياً، ثم رسخوا لبعض الأسس في تقديم النصوص بشكلٍ حسن، كاعتماد كل النسخ المخطوطة من الكتاب الواحد والمقارنة بينها، وإثراء النص بالهوامش المختلفة والشروح، ناهيك عن تقديم التحقيق بدراسة ثم الاختتام بالفهارس المفيدة الغنية. إضافة إلى ذلك فقد قدم بعض المستشرقين دراسات ذات قيمة، ليس من حيث كونها ذات نتائج مقبولة تماماً، ولكن من حيث أنها قدمت أساليب علاجٍ ونقدٍ ودراسةٍ معقدةٍ متطورةٍ مُعقلنةٍ في بعض الأحيان..هذا فيما يتعلق بالفئة الجيدة من المستشرقين، وليس كل المستشرقين، ذلك أننا لو أخذنا المستشرقين ـ ككل ـ ربما سيطغى السيئ منهم، ولكن هناك من جملة المستشرقين المعروفين يمثلون النخبة ممن نتعامل معهم ومع نتاجهم، وهؤلاء قدموا دراسات مفيدة ذات طابع منهجي مبتكر، كما هو الحال بالنسبة لدراسات المستشرق الإنكليزي هاملتون كب عن صلاح الدين الأيوبي وجيشه، وطرق تعامل النصوص مع سيرته، والتي تحولت كلها من آراءٍ دقيقةٍ ثمينةٍ قصيرةٍ صغيرة إلى رسائل كبيرة على أيدي باحثين مسلمين عرب وأكراد وحتى إنكليز. من ناحية أخرى هناك ما صنعه المستشرقون من تحدٍ للعقل المسلم عندما نقدوا ما هو مسلم فوضعوه أمام محنة الجواب، وهذه بحد ذاتها مفيدة جداً إذ أنهم استفزوك إلى الحدود القصوى من إمكاناتك كمثقف لتقديم الإجابة المرضية ذاتياً. فهذا أيضاً كان مفيد من حيث السباق والنزاع والتصارع، وأحب أن أعقبك تعقيباً بسيطاً على ما ذكرته أنت وهو أن المستشرقين قاموا بدراسات نقدية مع الإسلام كما فعلوا مع المسيحية ومع النص المسيحي أنا هنا لا أستطيع بسهولة أن أقبل هذا لأن واقع النص المسيحي مختلف عن واقع النص الإسلامي نعم حاولوا مراراً مثلاً آرثر جيفري الذي درس القرآن الذي درس لغة القرآن ومفردات القرآن وحاول أحياناً أنْ يطبق ما جرى تعاطيع مع النص المسيحي مع النص القرآني ووقع في إشكالات كثيرة رغم أنه أقحم على جماعته من دارسين وطلاب مستشرقين نتائج خاطئة لأنه طبق بما لا يقبل التطبيق بالنسبة لنا لا نقبل بآرثر جيفري قبولاً ولو هيناً لأن آراءه غير مرضية وواضح جداً أن منهجيتها معوقة. فهذا يعني يجب أن نتعامل بشكل مختلف، وهو أن نأخذ النص الإستشراقي، ونضعه في الامتحان ننقده وندرسه وقد لا يكون كله مفيد وقد لا يكون كله سيئ وقد يكون جله ذو قيمة نسبية الخ.
الأفق الجديد: هذا يقودنا إلى الحديث عن المؤرخين المحدثين من عرب ومسلمين إلى أي مدى أفادوا من المنهج الإستشراقي في التعامل مع النصوص التاريخية؟
الدكتور جزيل: في حقيقة الأمر نحن قد نغبن المؤرخين المعاصرين إذا قلنا أنهم استفادوا من منهج المستشرقين، ما قدمه المستشرقون من مناهج أصبح ملكاً مشاعاً عالمياً اليوم، الثقافة العالمية الآن لم تعد متقطعة الأوصال كما كانت يوماً جغرافياً بعيدة عن بعضها ذات خصوصيات كبرى وعدم إمكانيات تواصل..الخ، اليوم أصبحت الثقافة العالمية مشتركة ومشاعة، فعندما يلجأ مؤرخون جدد إلى استخدام المنهجيات المتعقلة في الطرح والنقد والمناقشة لا يعني بالضرورة أنهم لولا المستشرقون لما خاضوا مثل هذه المناهج أو لما فَّعَّلوا مثل هذه المناهج. هذه المناهج أصبحت وسائل منطقية متاحة، ولكن دون شك سبق بعض المستشرقين في استخدامها، ولكن عندما استخدموها حَّكَّموا في بعض الأحيان بعض عقائدهم وتصوراتهم وبالتالي كان إلى جانب المناهج مُسَبَقات، هذه خطيرة ومرفوضة وليست مقبولة، كما أنها بالنسبة لباحثينا ومؤرخينا المسبقات غير مستحبة وغير جيدة، ونحن نتقبلها أحياناً على أنها دراسات عاطفية، ولكننا لا نأخذ بنتائجها أخذاً جدياً.
نقلا عن صحيفة الافق الجديد
صحيفة”الأفق الجديد”، العدد (209)، الثلاثاء 24/7/2007م، 10 رجب 1428هـ، السنة الخامسة، ص 6-7.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s