نظام التعليم في فرنسا (ظهور العلمانية واختفاء الدين)


تمهيد
-التعليم في العصور الوسطى (EDUCATION IN MIDDLE AGE)
إن التعليم بمفهومه الحالي إنما هو نتاج النهضة وعصر الأنوار، ولكن للتعليم جذور تمتد إلى القرون الوسطى،ونحن لسنا بصدد تتبع تلك الجذور بشكل تفصيلي،إنما نريد أن نبين بالإيجاز ما آل إليه التعليم في فرنسا،وقبل ذلك علينا أن نتطرق إلى التعليم في القرون الوسطى،ولاسيما في أوربا،فتلك الفترة كانت أوربا اقتصادياً فقيرة،ولم تكن وسائل الإنتاج العصرية قد ابتكرت،وهذا بالطبع تعليق على تعريف واحد((التخلف))، وذلك أن التخلف مناسب للانجازات الرائعة في الفن والحضارة،والمجتمع المتخلف يعني أن عامة الشعب فقراء. ( )
كان التعليم منذ عهد شارلمان وما تلاه في أيدي الأديرة والكاتدرائيات ،وقامت بعض المدارس الشهيرة في شارتر و بيك (CHARTRES,BEC).ومن هذه المدارس التي كانت تعنى بالدرجة الأولى بإعداد تلامذتها لمختلف وظائف الكهنوت والأديرة،نشأت الجامعات.وفي ايطاليا ،مهد الثقافة،فإن الجامعات على الرغم من طابعها الديني،كانت لها مدارس مهمة في القانون والطب،ولهذا التطور علاقة باتصالات إيطاليا عن طريق بيزنطة بالعالم العربي،وكانت الجامعات منذ بدء عهدها شبيهة بالنقابات ، تحمي المحامين والأطباء والكهنة من تطفلات الذين لم يمروا بمثل ما مروا به من مراحل إعدادية وتأهيلية. ( )
وألفّت الجامعات رابطات فيما بينها للمساعدات المتبادلة ، واحتكرت وحدها حق تعليم الفنون وأصبحت الجامعة المجمع المعترف به من قبل الكنيسة كصاحبة السلطة في إعطاء الترخيص بالتعليم في كل الجامعات الأخرى،وهكذا فإن التعليم في أوربا الوسطى كانت سلطته النهائية منوطة بترخيص من البابا أو الإمبراطور أو الملك، فمنذ قيام الإمبراطورية الرومانية وحتى اندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789، كانت المعرفة تعطى من قبل آباء الكنيسة ،حيث أن وظيفة التعليم تعتبر من الوظائف الاجتماعية للكنيسة حصراً. ( )
وبينما كان تعليم الأولاد دون المستوى الجامعي في أيدي مدارس لها أسس متصلة بالدير أو الكاتدرائية( ) ، كانت الكنيسة تمارس هيمنتها على التعليم،إذ كان القس هو المربي والمدرس الوحيد. ( )وكانت هناك جامعات قديمة أمثال جماعة ساليرنو استوحت الشيء الكثير من علماء الإغريق واللاتين والعرب،فأصبحت مراكز دولية،ويقال أن الجامعات كانت مصنفة إلى صنفين،تلك التي كانت فيها سلطة المعلمين هي العليا(كجامعتي باريس وأكسفورد)، ( )،وتلك التي كانت عبارة عن مجموعات من العلماء أمثال جامعة بولونيا(Bologna). ( )ويظهر أن طراز هذه الجامعة الأخيرة كان أكثر شيوعاً في جنوبي أوربا. ( )
وعلى مرّ الزمن أصبح الفرق بين الجامعات التي كانت سلطتها في أيدي الأساتذة والجامعات التي كانت سلطتها في أيدي علمائه من جهة،وبين تلك التي كانت عبارة عن مجموعات من الطلبة مستقلة ذاتياً(وأعداؤها الطبيعيون الرعاع) والتي كان أساتذتها يختارون لأنهم معلمون عظام، أصبح هذا الفرق على جانب كبير من الأهمية.وأصبحت الحرية العامة والنشاط في الجامعات الايطالية العظيمة التي يسيطر عليها الطلاب،والأصل لمجمل عملية التنوير والتوعية. ( )
ولكن في القرن الثالث عشر عندما اندمجت أفكار أرسطو في المذهب المسيحي، أقترب هذان النوعان من الجامعات من حيث الشكل والمهمة ،وأخيراً أصبحت الجامعات، ولاسيما في أوربا الجنوبية ، وسيلة النقل للانطلاقة العظمى للإنسانية التي أدت إلى ظهور العالم الحديث.وفي تلك المرحلة بالذات أخذت المدارس تعنى بأمور غير دينية ، كما أن صلاتها بالاقتصاد وإدارة الدولة أصبحت مهمة،وكانت المدارس الإليزابيثية الثانوية في انكلترا والاصطلاحيتان في أكسفورد وكامبردج (اللتان أنشئت على غرارهما أولى مدارس انكلترا الحديثة) هي الطابع المميز للمجتمع العلماني الذي أخذ يعم أوربا.وسنتحدث عن ظهور مصطلح العلمانية في التعليم في فرنسا. ( )

-ظهور العلمانية في التعليم ( LAÏCISATION)
من الصعب تحديد تاريخ لولادة مفهوم العلمانية،كغيره من المفاهيم،إذ أخذت ولادته وتطوره تتجذر في ظروف(سياسية،اجتماعية,تاريخية،شخصية)،وقد تأكد وجوده بتشريعات قانونية مرتبطة بحركات فكرية في فرنسا( )،وعلى أية حال فقد سيطرت حقبتين زمنيتين على تطور المفهوم،أولاهما في ثورة 1789،والأخرى في أعقاب تدهور العلاقة بين الكنيسة والدولة في القرن التاسع عشر. ( )
ومن الجدير بالذكر أن ولادة هذا المفهوم أحدثت تغيرات عديدة في النظام الاجتماعي والأخلاقي فضلاً عن التربية والتعليم،فالمدرسة تعد أول مكان تم فيه تطبيق العلمانية على المجتمع،وخرج كل مايمكن اقترانه بالتعليم الروحي(اقتراناً بالتعليم الجسدي والعقلي والرياضي)تدريجياً من حقل التعليم العام،ومن المدرسة الرسمية(العامة)والعلمانية(المعلمنة). ( )
لقد ارتبطت ثورة 1789 في فرنسا بشعار “حرية، مساواة، إخاء” وإعلان “حقوق الإنسان والمواطن”، كما ارتبطت – وهذا غير معروف كثيرا- بوضع “المشاريع” التربوية و”البرامج” التعليمية من أجل “تحقق” الشعار و”تطبيق” الإعلان. وعليه، فقد احتلت المسألة التربوية/ التعليمية موقعا أساسيا وحيويا في فكر الثوار وممارستهم… . ويحضر هنا –على الفور-اسم كوندورسيه رئيس “لجنة التعليم العمومي” التابعة لـ”المجلس التشريعي”. كما أنه، وعلى امتداد العقود التالية (بالضبط من حكم نابليون بونابرت في 1798إلى نهاية الإمبراطورية الثانية في 1870)، عرفت المسألة التربوية/التعليمية في فرنسا منعطفات وارتدادات قامت “الجمهورية الثالثة” بحصرها وتجاوزها في نطاق ما دعي بـ”التعليم الجمهوري”.( )
فأصبح من نتيجة الثورة الفرنسية انه على المساواة في الحقوق كما فهمها الثوار الشعبيون أن تزيل التفاوت في شروط الحياة، فتعلمنت المساعدة الاجتماعية واعتبرتها الجمعية التأسيسية خدمة عامة على إثر مصادرة أملاك الاكليروس الذي كان مكلفاً بها في النظام القديم،وبالتالي خرجت الخدمة الاجتماعية علمانية،وكان التعليم موضوع اهتمام مستمر من قبل الجمعيات الثوروية،ومع ذلك جلبت إعادة تنظيمه خذلاناً للجماهير الشعبية.فأعلنت الجمعية التأسيسية باكراً عن نيتها في تجهيز البلاد بنظام جديد للتعليم،وسجلت في ((المؤهلات الاساسية التي يضمنها الدستور)) مبدأ ((تعليم عام مشترك لجميع المواطنين مجاني بالنسبة لأقسام التعليم اللازم لجميع الناس. ( ) 
وبالتالي صدر قانون في 3 أيلول/سبتمبر 1792 بالتأكيد على مبدأ حرية الديانة والمعتقد،((لايمكن لأي أحد أن يقلق على أراءه،حتى الدينية منها))،ومن خلال هذا القانون التأسيسي تم الاقرار بانشاء (تعليم عام-رسمي-)مجاني لكل المواطنين.فالثورة ورجالها ارادت أن تعيد تشكيل المواطن وأن تثبت في ذهنه المباديء الاساسية للمواطنة( )،وقد اكتفت في الواقع بتأمين سير مؤسسات التعليم التي كانت قائمة مضيفة في 28 تشرين الاول/أكتوبر 1790 بيع الممتلكات العائدة اليها وعملت على تمويل المعاهد.وفي 10 أيلول/سبتمبر 1791 فقط استمعت دون مناقشة ، الى تقرير تاليران.واهتمت الجمعية التشريعية أكثر منها ببلوغ الهدف فأنشأت لجنة للتعليم العام،فكان عملها الاساسي تحضير مشروع عن تنظيم شامل للتعليم العام قراه كوندرسيه Condorcet(1741-1794)في مقصورة الجمعية العليا في 20و21 نيسان/أبريل 1792. ( )لذا وقف بكل ثقله المادي والرمزي في خندق المبشرين بقدرة الإنسان على تجاوز ذاته باستمرار،وبالتالي، إمكانية ميلاد “الإنسان الجديد” – الإنسان المستنير- عبر عملية التربية والتعليم التي ينبغي أن تكون في مقدمة مسؤوليات السلطة الثورية الجديدة. وعليه، سعى كوندورسيه من موقعه كرئيس لـ”لجنة التكوين العمومي” إلى وضع معالم مشروع تربوي تنويري تضمنه –بالخصوص- تقريره “حول التنظيم العام للتكوين العمومي”.( )
وهذا المخطط وهو أهم المخططات التي قدمت للجمعيات الثوروية ويحمل طابع عصره باتساع نظرته،وتفاؤله العميق.فهو يهتم بتطوير كل القدرات وكل المواهب عن طريق التعليم((وبذلك يبغي اقامة مساواة واقعية بين المواطنين))،وعلى الرغم من أهمية هذا المشروع،الا ان الجمعية لم تخصص الوقت الكافي لمباشرة مناقشة مشروع كوندرسيه. ( )رغم أن الدولة قد تحولت الى العلمانية منذ 1792. ( )
وسجل المؤتمر الوطني التعليم ضمن حقوق الانسان ؛ فقد نصت المادة 22 من اعلان 24 حزيران 1793: ((التعليم حاجة لكل انسان . وعلى المجتمع أن يسهل بكل قدرته تقدم العقل العام وأن يضع التعليم في متناول جميع المواطنين)).وفي 13 تموز 1793 قرأ روبسبيير في المؤتمر الوطني من ((مخطط التربية القومية)) الذي وضعه ليبليتيه دي سان فارجو وقد استوحى أكثره من روسو وهو يفرض احتكار الدولة،وفي هذه الاثناء كان المناظلون الشعبيون يطالبون على الأخص في عرائضهم حول قبول الدستور في تموز 1793 بنظام تعليم يمنح الأولاد في وقت واحد تربية مدنية وتربية تقنية.فكان عليهم أن ينتظروا قرار 29 فبراير من السنة الثانية(19 كانون الاول 1793)عن المدارس الابتدائية( ).فقد أقّر نظام تعليم مجاني والزامي وحر خاضع لمراقبة الدولة.وهو لامركزي يتفق تماماً مع الروح الشعبية،وبقي أمر تطبيقه. ( )
واهملت الحكومة الثوروية هذه المهمة لانشغالها بمتابعة الحرب،وكان خذلان الثوار الشعبيين عظيماً جداً بمقدار ماوضعوا أملاً أكبر في التعليم إذ رأوا فيه وسيلة لتقوية النظام وتحقيق المساواة في الحقوق( ).وحافظت البرجوازية التروميدورية في باديء الامر على العمل الجبلي، ولكنها حولت تدريجياً سياستها في اتجاه مصالح طبقتها فأهملت المجانية والالزامية،وفي 9 اكتوبر من السنة الثالثة(30 تشرين الأول 1794)أصدر المؤتمر الوطني قراراً بفتح معهد للمعلمين لتخريج 1300 شاب عينتهم الأقضية لروحهم الوطنية،في مدى أربعة أشهر وهم بدورهم سيسهرون على إعداد المدرسين. ( )وأنشأ قرار 27 برومير من السنة الثالثة (17 تشرين الثاني 1794) المدارس الابتدائية ولكن دون المحافظة على الالزام المدرسي بنسة مدرسة واحدة لكل ألف من السكان. ( )
لقد تأسس التعليم على المناقبية الجمهورية مستقلاً عن كل ديانة موحاة،مع ذلك كان معترفاً لكل المواطنين بحق((فنح مدارس خاصة وحرة تحت إشراف السلطات الدستورية)).وكان التعليم الثانوي يهم البرجوازية الترميدورية أكثر بكثير من التعليم الابتدائي،لان المهم اعداد أُطر للمجتمع الجديد والدولة الجديدة ،وبناء على تقرير من لاكانال انشأ قرار 7 فانتوز من السنة الثالثة(25 شباط 1795)((لتعليم العلوم والآداب والفنون)) مدرسة مركزية في كل محافظة وفيها يتابع الطلاب ثلاث مراحل دراسية:من 12 الى 14 سنة لغات قديمة وحية ، تاريخ طبيعي،رسم ؛من 14-16 سنة رياضيات فيزياء وكيمياء؛ من 16-18 سنة قواعد اللغة العامة ،الآداب ، تاريخ وتشريع.لقد تحدثن التعليم بالأولوية الممنوحة للعلوم كما للغة والآداب الفرنسية.وبشكل بديهي انضم البحث والتعميم الى التعليم. ( )وإذا كانت المناهج وطرق المدارس المركزية تتفق مع الحركة الايديولوجية لعصر الأنوار فإن الردة المحافظة تجلت في غياب المجانية يلطفها مع ذلك إعطاء منح ((لتلاميذ الوطن)). ( )
واسترعى التعليم العالي كذلك انتباه الترميدوريين فقد ألغيت الجامعات القديمة وكذلك الأكاديميات.ففي 14 تموز 1793 نظم الجبليون المتحف بعد أن حولوا حديقة الملك متحفاً،وكان موضوعه ((تعليم التاريخ الطبيعي العام مأخوذاً في كل مداه ومطبقاً بشكل خاص لتقدم الزراعة والتجارة والفنون))،وفي 7 فاندمير من السنة الثالثة (28 أيلول 1794)أنشأ المؤتمر الوطني المدرسة المركزية للأشغال العامة التي أصبحت بعد سنة معهد البوليتكنيك،وفي 19 فاندمير (10 تشرين الاول 1794)بناء على تقرير غريغوار تكرست كونسر فاتوار الفنون والمهن للعلوم التطبيقية ،مستودعات الآلات والنماذج ، أصبحت أيضاً مؤسسة لتعليم((إستخدام الآلات والادوات المفيدة للفنون والمهن)). ( )
وأنشأ قرار 14 فريمير من السنة الثالثة(4 كانون الأول 1794) ثلاث مدارس للصحة في باريس ومونبيليه وستراسبورغ ويضاف الى ذلك مدرسة اللغات الشرقية ومكتب العلوم الرياضية والفلكية وقد تأسسا في 10 جرمينال (30 آذار) و7 ميسيدور من السنة الثالثة(25 حزيران 1795).ولتتويج هذا البناء نظم المؤتمر الوطني في 3 برومير من السنة الرابعة(25 تشرين الاول 1795)المؤسسة القومية للعلوم والفنون(أنستيتيو) ( )،فالثورة الفرنسية عملت على مساندة النزعة الثورية في فرنسا لانشاء نظام قومي للتعلم لمصلحة الشعب( ) ، وبعد أن قسمت إلى ثلاثة أقسام(العلوم الفيزيائية والرياضية،العلوم المناقبية والسياسية،الآداب والفنون الجميلة) اختصت ((بتطوير العلوم والفنون بواسطة أبحاث غير منقطعة وبواسطة نشر الاكتشافات والمراسلة مع الجمعيات العلمية والأجنبية)).وكان على المؤسسة أن تبرهن وتحقق وحدة العلوم وتضامنها . لقد أعلن دونو مقدم قرار القانون: ((لايمكن أن تقدر النتائج السعيدة لنظام ينبغي له أن يحافظ على العلوم والفنون في تقارب مستمر وإخضاعها لردة متبادلة في المعتاد للتقدم والمنفعة)). ( )
لقد وحد القانون العظيم الصادر في 3 برومير من السنة الرابعة (25 تشرين الأول 1795) حول تنظيم التعليم العام هذه الانشاءات المختلفة في مجموعة كبيرة: المدارس الابتدائية، المركزية ،المدارس الخاصة والمؤسسة القومية.ولكن ردة الفعل ازدادت وضوحاً.فالدولة تكتفي بتقديم السكن للمدرس الذي يتلقى أجوراً من التلامذة.وورثت حكومة الادارة هذا التشريع، فقامت بجهد لتطوير المدارس المركزية التي عرفت نجاحاً حقيقياً في 1796 و 1802 إذ الغاها بونابرت وهي في عز انطلاقها. ( )
وفي نهاية المرحلة،إذا بدا عمل الثورة في مادة التعليم مهماً فقد استمر مع ذلك ناقصاً.والغي احتكار الكنيسة،وتعلمن التعليم وتحدثن،ولكنه اجتماعياً حصل على امتياز اقلية ضئيلة،وفي فانتوز من السنة الثانية طالب قسم الثوار الشعبيين الباريسي بتنظيم عاجل للتعليم الابتدائي((بنوع أن يكتسب كل من الافراد المواهب والفضائل الضرورية للتمتع بكمال حقوقه الطبيعية)) ( ).وكان من ذلك اتصال بفكرة كوندرسيه العظيمة:تحقيق مساواة واقعية عن طريق التعليم((جعل المساواة السياسية التي يعترف بها القانون حقيقية)).وبعد عشر سنوات من الثورة كان التعليم بعيداً عن هذا الهدف. ( ) 

-التنوير والتربية ILLUMINATION &EDUCATION) )
إذا كان التنوير في مضمونه العميق والدقيق – وحسب التحديد الكانطي الشهير- هو اكتساب حال الخروج من القصور إلى الرشد، وبالتالي، اكتساب الإنسان القدرة والجرأة على ممارسة التفكير العقلي [“لتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك! ذلك هو شعار التنوير.”]،فمسألة التربية تحتل في هذا السياق موقعا معتبرا بل مركزيا وحاسما. ومن هنا – بدون شك- اقتران صفة الفيلسوف بصفة المربّي إلى حدّ نعت قرن الأنوار في فرنسا –مثلا- بقرن الفلاسفة وفي ألمانيا بقرن المربين أو البيداغوجيين، باعتبار أنّ هؤلاء وأولئك هم من عمل على نشر الأنوار الحديثة وإشاعتها ضد ظلام الجهل والتعصب الموروث عن العصور الوسطى…وهذا عمل فلسفي…تربوي… بيداغوجي… بامتياز. ( )
لكن ماذا عن التربية في معناها المحصور من حيث هي بالأساس عملية تعليمية- تعليمية مؤطرة برؤية وقواعد ومؤسسات؟ وكيف حضرت كمسألة وقضية في فكر التنوير وتبلورت في سياق تبلوره التاريخي العام على امتداد القرن الثامن عشر بالخصوص وما بعد؟ وكيف تجسّدت في نماذج تربوية محددة يمكن إبرازها بهذه الصفة في القارة الأوروبية والأمريكية (النموذج الفرنسي، النموذج الألماني، النموذج الأمريكي؟).( )
-أثر التنوير في التربية والتعليم في فرنسا من ثورة 1789…إلى نظام الجمهورية الثالثة (1870-1945).
لقد ارتبطت ثورة 1789 في فرنسا بشعار “حرية، مساواة، إخاء” وإعلان “حقوق الإنسان والمواطن”، كما ارتبطت – وهذا غير معروف كثيرا- بوضع “المشاريع” التربوية و”البرامج” التعليمية من أجل “تحقق” الشعار و”تطبيق” الإعلان. وعليه، فقد احتلت المسألة التربوية/ التعليمية موقعا أساسيا وحيويا في فكر الثوار وممارستهم… . ويحضر هنا –على الفور-اسم كوندورسيه رئيس “لجنة التعليم العمومي” التابعة لـ”المجلس التشريعي”. كما أنه، وعلى امتداد العقود التالية (بالضبط من حكم نابليون بونابرت في 1798إلى نهاية الإمبراطورية الثانية في 1870)، عرفت المسألة التربوية/التعليمية في فرنسا منعطفات وارتدادات قامت “الجمهورية الثالثة” بحصرها وتجاوزها في نطاق ما دعي بـ”التعليم الجمهوري”.( )

– كوندورسيه Condorcet(1741-1794)
انخرط المركيز Antoine Caritat de condorcet في ثورة 1789 من موقع تشبّعه بفكر التنوير و”فلسفة الأنوار” حيث إنه كان –بالخصوص- قريبا من ديدرو ومشبعا بفكر “الموسوعيين”، وكان يرى في حدوث “الثورة” وعدا بقدرة “الأنوار” (العقل) على الانتصار على “الظلام” (الاستبداد والتعصب). لذا وقف بكل ثقله المادي والرمزي في خندق المبشرين بقدرة الإنسان على تجاوز ذاته باستمرار، وبالتالي، إمكانية ميلاد “الإنسان الجديد” – الإنسان المستنير- عبر عملية التربية والتعليم التي ينبغي أن تكون في مقدمة مسؤوليات السلطة الثورية الجديدة. وعليه، سعى كوندورسيه من موقعه كرئيس لـ”لجنة التكوين العمومي” إلى وضع معالم مشروع تربوي تنويري تضمنه –بالخصوص- تقريره “حول التنظيم العام للتكوين العمومي” والمقدم إلى المجلس التشريعي بتاريخ 20و21أبريل 1792. ( )

ومن جهة أخرى، فلقد انتهت حياة كوندورسيه نهاية مأساوية: اعتقل بتهمة “الخيانة” في عهد “الإرهاب الثوري الأعمى”، فتجرّع السم في سجنه حتى لا يعدم بالمقصلة، فأجهض مشروعه التربوي التنويري-كما أجهض الكثير من أحلام الثورة التي نعتها كانط بـ”الحادث الجلل” وحياها هيجل باعتبارها “فجرا جديدا”. والواقع أن قراءة متأنية في نص التقرير المذكور( ) تكشف عن تضمنه لما يمكن اعتباره “رؤية فلسفية وسياسية واضحة ومحددة” لكوندورسيه فيما يخص ثورة 1789 والنظام الجمهوري المنبثق عنها، وموقع مسألة التربية والتعليم في هذا الصدد.
” ليست الجمهورية هي الاستبداد المتنور ضدا على المساواة، كما أنها ليست، كذلك، “الإجماع على الطريقة القديمة” حسب روسوl’unanimisme à l’antique de Rousseau ضدا على القابلية للتحسين. وهكذا، وعلى الصعيد البيداغوجي، فكوندورسيه يستبعد التعليم الخصوصي Le préceptorat privé المنافي للعدالة، ويستبعد التربية العمومية المنافية لاحترام الأفراد وفكر التنوير: والتعليم العمومي هو الذي سيتجاوز هذه التناقضات البيداغوجية “”. ( )
وهكذا، فكوندورسيه يدرك في التعليم الجديد [الجمهوري] ليس آليات للإخضاع الجديد أو التوجيه في منحى هذه العقيدة أو تلك، ولكن صورة ومضمون تعليم الأفراد وليس تربية الجموع. إن كوندورسيه يميز تمييزا دقيقا وصارما بين التعليم/التكوين instructionوالتربية éducation .ولا يعني هذا البتة أن التعليم/التكوين هو خال من كل تربية بمعنى أنه-مثلا-نفعي خالص.إن كوندورسيه هو –فكريا- “فيلسوف تنويري” خالص و-سياسياً- هو “جمهوري ديمقراطي” خالص: فما هو السبيل إلى بناء ذات الشعب المتنور بدون سلب الأفراد حقوقهم الأساسية (حقوق الإنسان) و بدون السقوط في وضع التسخير السياسي والعقائدي الفج.هذا هو الإشكال الذي تصدى له كوندورسيه رئيس لجنة التعليم العمومي التابعة للمجلس التشريعي “الثوري” مقترحا من أجل حله وتجاوزه مشروعا تعليميا/تربويا عاما يركز على ما يلي: 
• نقل المعارف وتمرين العقل.
• تعليم إجباري وحر [لائكي] مستند إلى مبدأي المواطنة المستنيرة والانتماء إلى الإنسانية الشاملة.
• منهج بيداغوجي يستبطن عناصر التفكير العقلاني (ديكارت) والتحليل التجريبي (لوك وكوندياك) والتركيب والتداخل ما بين المعارف (روح “الموسوعة”). ( )

تراجعت أفكار الثورة التربوية والتعليمية مع تراجع الثورة ذاتها بحيث إن قانون 3برومير عام 4 (25 أكتوبر1795) لم يسع إلى تنظيم التعليم العمومي من داخل روح الثورة إذ أنه أهمل المدارس الابتدائية وركز على التعليم الثانوي والعالي. وفي نفس السياق سار نظام نابليون بونابرت منذ انقلاب 9نوفمبر 1799ملحقا المدرسة والنظام التعليمي عموما بنظام الدولة الذي كان هو على رأسه: “فالثورة نظرت إلى التعليم باعتباره واجبا على الدولة إزاء المواطن، ونابليون كان يعتبر مصلحة الدولة وحاكمها قبل كل شيء “.ومع عودة الملكية Restauration La في 1815عاد التعليم إلى حضن الكنيسة.ولم تطرح مسألة التربية والتعليم من جديد إلا مع قيام ثورة 1830لتحل حلا توفيقيا من خلال قانون1833 الذي أعاد بالخصوص طرح مسألة التعليم الابتدائي تاركا إياه على عاتق الجماعات المحلية Les communes بالإضافة إلى طابعه الاختياري. وبعد ثورة 1848 ستتقوى –بالخصوص- نزعة التعليم الشعبي بتأثير من تقدم الأفكار الاجتماعية و الاشتراكية –من جهة- وحاجة الرأسمالية ذاتها إلى أيدي عاملة مؤهلة نسبيا-من جهة أخرى. ( ) 
إن قيام الجمهورية الثالثة في سبتمبر 1870 هو الذي سيفتح الطريق واسعا أمام قيام نظام تعليمي فرنسي جمهوري إجباري مجاني ولائكي. وهنا لابد من التوقف عند الرواد الثلاثة الذين بنوا صرح هذا التعليم تشريعيا وسياسيا ونظروا له بيداغوجيا وفكريا: جول فيري، فرديناند بويسون، إميل دوركهايم.

– جيل فيري Jules Ferry (1832-1893)
يمثل جيل فيري في شخصه وفكره ومساره السياسي كل تناقضات الجمهورية الثالثة بما جسدته من نزوع إلى التغيير من داخل المحافظة والحرص على أمن ووحدة وسلامة وضع المجتمع القائم. فلقد مر قرابة القرن على وقوع الثورة الفرنسية الكبرى بما رافقها من أحداث أليمة ودرامية كما تعاقبت على المجتمع الفرنسي سلسلة انقلابات وثورات،وثورات مضادة في اتجاه “اليمين” أو “اليسار” نتج عنها اهتزاز شامل وجذري للمجتمع الفرنسي…وها هي فرنسا تنهزم هزيمة شنيعة أمام ألمانيا الناهضة نهوضا قويا بفضل وحدتها “القومية” القوية التي تستمدها أساسا من وحدتها “الروحية” و”الفكرية” الراسخة. إن ألمانيا لم تنجح –فقط- في إصلاحها الديني (الذي تم في سلاسة نسبية) ولكنها وفرت لنفسها نظاما تعليميا وتربويا نجح في بناء الفرد الألماني الموحد نفسيا وفكريا بالاستناد إلى فكرة الوطنية و (القومية) الألمانية ذاتها. وهكذا راجَ بأن “المعلم الألماني” هو الذي انتصر حقيقة في حرب 1870. وعليه انطلق في فرنسا –مع قيام الجمهورية الثالثة- مشروع وطني ومجتمعي شامل للتربية والتعليم ليس من المبالغة القول بأنه يرتبط تاريخيا باسم جيل فيري. ( )
لقد كان ج.فيري محاميا وصحفيا لامعا وسياسيا ماهرا (انتخب نائبا برلمانيا في 1869 وعين وزيرا للتعليم من 4فبراير 1879 إلى 23 سبتمبر 1880، ورئيسا للحكومة من 23 سبتمبر 1880 إلى 10 نونبر1881) متشبعا بمذهب أوغست كومت الوضعي positivisme، وبالتالي، فهو كان يرى في تعميم التعليم والتربية فضيلة من شأنها الحد من أنانية الفرد الطبيعية وإدماجه في المجتمع الكلي لذا جاءت كل المبادرات والقرارات والقوانين التعليمية المرتبطة باسمه تصب في خانة التأسيس للمدرسة ” المجانية والعلمانية والإلزامية”-مع هذا التنبيه الضروري والهام: لم يكن ج. فيري ثوريا طوباويا يحلم بالمساواة التامة أو ماديا علمانيا يعادي الدين عداء جذريا. فجول فيري هو مدافع صلب عن تعليم الشعب (التربية الشعبية أو التعليم العمومي)، ولكن من داخل “استقرار” الأوضاع والمراتب وليس قلبها. ف”المدرسة الابتدائية المجانية والعلمانية والإلزامية ” –التي تقع في قلب مشروع جيل فيري التربوي/التعليمي- يلزم أن تتجه أساسا إلى تكوين المواطن المندمج والمتشبع بقيم “الجمهورية”. وهذا مغزى رفع شعار “الجمهورية المربية” la République éducatrice .أما فيما يخص الدين فموقف جيل فيري واضح وصارم: نحن أردنا وخضنا الصراع ضد الأكليروس؛ أما الصراع ضد الدين [فلا نريده ولا نخوضه] أبدا.أبدا (من خطاب مؤرخ ب10يونيو 1881).بل تم تقرير عقوبات ضد المعلمين الذين يقدمون تعليما ضد الدين. إن وظيفة المعلم هي أولا وأخيرا تقديم صورة ونموذج “الأخلاق الجمهورية” La morale républicaine ،باعتبارها ما يؤسس لتربية وطنية مبنية على مفاهيم الواجب والحق، وبالتالي، استبدال التربية الدينية بالتربية الأخلاقية (من مذكرة حكومية مؤرخة ب17نونبر1883). ( )
– فرديناند بويسون (1841-1932Ferdinand Buisson (
شغل ف.بويسّون منصب مدير التعليم العمومي من 1879 إلى 1896، وبهذه الصفة كان مساعدا رئيسيا لجيل فيري إبان تولي هذا الأخير لمنصب وزير التعليم بالخصوص. لكن ف.بويسّون تجاوز بكثير منصبه الإداري الوظيفي إلى المساهمة الرائدة والحاسمة في بناء صرح التعليم الجمهوري الجديد- وهذا بالخصوص على مستوى إشرافه على وضع قاموس البيداغوجيا والتعليم الابتدائي Dictionnaire de pédagogie et d’instruction primaire وطرحه التنظيري المتقدم لواقعة “المدرسة اللائكية” ومسألة اللائكية عموما.
لقد صدر الجزء الأول من قاموس البيداغوجيا والتعليم الابتدائي في مارس 1880 والجزء الرابع (والأخير) في أبريل 1878، مما مجموعه 1839 مقال منشورة في 5600 صفحة بمشاركة 359 كاتب. وعليه، نكون إزاء “موسوعة” تنويرية جديدة لكن خاصة بمجال التربية والتعليم. Dictionnaire de pédagogie et d‘instruction primaire. . ( )
أما فيما يخص مسألة اللائكية عموما وواقعة “المدرسة اللائكية” خصوصا فيمكن –عموما- تسجيل ما يلي: يحدد بويسّون المدرسة اللائكية l’école laïqueفي عدم الخلط بين التعليم الابتدائي والتعليم الديني.ولا يعني هذا أن بويسون يعادي الدين أو أن اللائكية هي معاداة الدين. فالكلمة اللاتينية laïcus تحيل على الكلمة اليونانيةlaïkos المشتقة من الجذر laosالذي يعني “الشعب”. وقد استعمل هذا اللفظ –أول ما استعمل- من طرف الجماعات المسيحية الأولى -حيث بدأت معالم تراتب كهنوتي أولي في الظهور- للدلالة على الأشخاص الموجودين أو “المصنفين” –بالضبط- خارج التراتب الديني القائم…أي “العامة” و”الشعب”. وعليه، فالمعنى الحقيقي والدقيق للمدرسة اللائكية هو المدرسة “الشعبية”. والخصم الحقيقي للائكية هو سلك الكهنوت” أو “رجال الدين” le clergé وليس الدين.
فالجذر اللاتيني ل le clergé هو اللفظ اللاتيني clericus المقابل للصفة اليونانية klerikos المشتقة من المصدر kleros التي أصبحت تدل على معنى le clergé التي تحيل في معناها الأصلي على lot بمعنى حصة أو فئة.وعليه،فالذين ينتمون إلى klerosهم الذين يشكلون “الفئة الخيرة” le bon lot ، فئة “المختارين”، أي –في البداية- المسيحيين مقابل غيرهم، ولاحقا، داخل المسيحيين ذاتهم، القساوسة مقابل الذين ليسوا كذلك.والخلاصة: سلك الكهنوت ورجاله le clergé et les clercs هم هذا الجزء من المجتمع الذي يعتبر نفسه مختارا ويزعم أنه قد تلقى رسالة إلهية لتوجيه باقي البشر؛ والعقلية الكهنوتية l’esprit clérical هي إدعاء هذه الأقلية سيطرتها على الأغلبية باسم دين معين؛ واللائكيون هم الشعب أي الجماهير الكلية باستثناء رجال الدينles clercs ، والروح اللائكية هي مجموع أمال الشعب، اللاوس le laos، إنها الروح الديمقراطية والشعبية. وبالتالي، فالمدرسة اللائكية هي المدرسة الديمقراطية الشعبية حيث لا يتعلم التلميذ –وحسب- مبادئ القراءة والكتابة والحساب ولكن يتربى على أخلاق الحرية والمسؤولية والتفكير الحرla libre-pensée. ( )
– إميل دوركهايم Emile Durkheim (1858-1917)
هو أحد رواد السوسيولوجيا العامة والمؤسس الحقيقي لسوسيولوجيا التربية باعتبارها فرعا سوسيولوجيا تخصصيا يهتم بدراسة أنظمة التربية والتعليم. فدوركهايم درس بالخصوص الظواهر الاجتماعية من حيث هي وقائع قابلة للملاحظة الموضوعية.وهنا منح للعلم الجديد الناشئ –علم الاجتماع- قاعدته العلمية (الوضعية؟) الصلبة. كما أنه درس النظام التعليمي والتربوي الفرنسي في مستوييه الدياكروني (الدينامي) والسانكروني (الستاتيكي) ( )فكشف عن العلاقة الوثيقة بين التاريخ وعلم الاجتماع، وبالتالي انخراط عالم الاجتماع –الذي كانه دوركهايم بامتياز- في قضايا الحاضر المجتمعية والسياسية. ( )
فدوركهايم اختار موقعه –من جهة- كعالم اجتماع ملاحظ ومحلل-ومن جهة أخرى- كأستاذ مدرس بالخصوص لمادة البيداغوجيا (في معناها العام) ضمن الواقع الفرنسي (والأوروبي) الذي كان يمور بالوقائع والأحداث التاريخية الحاسمة. وبهذه الصفة الأخيرة ألقى الدروس والمحاضرات على المعلمين والطلبة. ( )
فعلى غرار جيل المفكرين والسياسيين الذين بنوا صرح الجمهورية الثالثة كان دوركهايم يدرك الأهمية الحيوية بل والإستراتيجية للمسألة التعليمية خاصة والتربوية عامة. فالمجتمعات البشرية لا تتكون وتنبني كمجرد حصيلة حسابية لتجمعات عناصر يضاف بعضها إلى بعض. فالمجتمع –أي مجتمع- هو غير المجموع الحسابي لعناصره المكونة الأصلية. ولكن خلال عملية تكون المجتمع- وهي عملية “تاريخية” مركبة – تنشأ وحدة جديدة ليست هي تماما مجرد المجموع العددي للوحدة الأصلية.فوحدة “عضوية”organique جديدة تبرز يسندها “وعي جمعي” conscience collective يعد هو العنصر اللاحم للمجموع الجديد. ومن هنا أهمية وجود القيم الإيجابية (قيم العقلانية والمواطنة) وهيمنتها في تكوين المجتمع السليم مقابل المجتمع المختل اللاقيمي أو الأنومي a-nomique.والتربية هي مجال وقناة انتقال القيم المجتمعية الإيجابية من الجيل الراشد إلى الجيل الناشئ. وهذه هي وظيفة المدرسة والمدرس بامتياز. ( )
– يميز دوركهايم –بداية- بين “النظريات التربوية” أو “البيداغوجيا” وبين “علوم التربية”.
فالأولى –على غرار نظريات روسو و بستالوزي و فروبل مثلا- تهتم خاصة بما يجب أن يكون (المثال التربوي) بينما الواقعة التربوية من حيث هي قائمة الآن وتعمل عملها في الحاضر هي ما يهم عالم التربية المتسلح بمنهج الملاحظة الموضوعية والقياس المقارن. كما أن الوقائع التربوية ليست موجودة في المطلق أو أنها تخضع في وجودها لإرادة فرد أو أفراد وتعمل بمنطق الرغبة والمزاج: ” في الواقع، فالتربية القائمة في مجتمع محدد ومنظور إليها في لحظة معينة من تطورها هي مجموعة من الممارسات وأشكال الفعل والسلوك والعادات التي تشكل مجتمعة وقائع تامة التحديد ولها نفس حقيقة الوقائع الاجتماعية الأخرى. فعلى عكس ما اعتقد لمدة طويلة من قبل، فالوقائع التربوية ليست إلى هذا الحد أو ذاك مجرد تركيبات عشوائية اصطناعية لا تدين بوجودها إلا لرغبات نزقة ومتبدلة باستمرار. إنها بالعكس تشكل مؤسسات اجتماعية حقيقية (…) ومن جهة أخرى، فكل الممارسات التربوية ومهما تكون الاختلافات التي فيما بينها فهي تشترك في طابع أساسي: إنها تنتج جميعها عن التأثير (أو الفعل) الذي يمارسه جيل [راشد] على آخر ناشئ بهدف إعداده للتكيف مع الوسط الاجتماعي الذي هو مدعو للعيش فيه. وبالتالي، فالوقائع التربوية كلها هي مجرد مظاهر متباينة لهذه العلاقة الأصلية. وعليه، فهي وقائع من نوعية واحدة وتصدر عن ذات المقولة المنطقية مما يجعلها قابلة لأن تكون موضوعا لعلم واحد هو علم التربية”. ( )
وهذا العلم – في منظور دوركهايم- لا يمكن أن يكون إلا سوسيولوجيا بامتياز: فمن أية جهة ننظر إلى التربية فهي تتقدم نحونا دائما بنفس الطابع [الاجتماعي] سواء تعلق الأمر بالأهداف التي تنشدها أو بالوسائل التي تستعملها فهي دائما لضرورات اجتماعية تستجيب وعن أفكار ورغبات اجتماعية تعبر.
فالمجتمع البشري هو بالأصل تجمع لأفراد وفئات وجماعات تعيش أو تتعايش فيما بينها بمنطق التعاضد والتدافع. وكل فرد هو ذرة (بنية عقلية وسيكولوجية) ، وكل جماعة هي وحدة علائقية ومصالحية. وكلما كبر حجم المجتمع/التجمع زاد تعقده وراحت تهدده نوازع التفكك والانحلال. فالنفسيات تتفرد أكثر والعلاقات تتشابك والمصالح تتميز. والمجتمع الذي هذا هو حاله لا يمكن أن يستمر في الوجود –فضلا عن الارتقاء والتطور السليمين- إلا إذا توفر عنصر الربط والالتحام بين تذرر الأفراد وسديمية الجماعات. وهذا هو دور الأفكار والتصورات الجماعية التي هي نوع من “الوعي الجماعي” الذي هو نوع من الاتحاد الشعوري communion ونوعية الإحساس بروابط الجماعة. فما يضمن عيش واستمرار المجتمع هو –أساسا- ما يضمن تماسكه المادي (عوامل الإدماج) ووحدته المعنوية (عوامل الضبط و الانتظام) .وهذا ما تسنده إرادة في العيش المشترك تنتج عنها حالة نفسية جماعية وتترجمها مؤسسات اجتماعية تؤثر بدورها –ارتدادا- في الوعي الجماعي وهو ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في مقاربة الوقائع الاجتماعية من حيث هي نظام تتشابك داخله المراتب البيولوجية والنفسية والجماعية. ( )
وتحتل الواقعة التربوية موقعا مركزيا ضمن نظام المراتب والعلاقات المتشابكة هذه ” باعتبارها الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأخرى التي ليست بعد ناضجة للحياة الاجتماعية. فهدف التربية هو إثارة وتطوير نوع من الحالات الفيزيقية والذهنية والأخلاقية لدى الطفل[وهي الحالات] التي يتطلبها منه المجتمع السياسي ككل والوسط الخاص الذي هو (أي الطفل) موجه للعيش داخله” فالتربية (في مفهوم التنشئة الاجتماعية) هي التي تعيد خلق الكائن البشري وتجعل منه إنسانا بالمفهوم الاجتماعي والأخلاقي للكلمة، بحيث تهيئ الفرد للانخراط ضمن المجموع المركب بدون أن يعني هذا البتة تحييده كموقف فضلا عن إذابته كذات. فوحدانية الفرد من حيث هو إنسان هي معطى بارز بل ومقدس إلى حد أن دوركهايم كتب: “كل مس بحياة الإنسان وحرية الإنسان وشرف الإنسان يلهمنا إحساسا بالذعر شبيه بالذي يحسه المؤمن وهو يرى معبوده يدنس.” ( )
فالتربية الأخلاقية لا تتحدد أو تنحصر في ممارسة الوعظ والإرشاد أو إبراز قائمة طويلة للفضائل والتعهد ب”تربية” النشء عليها، فالأول عمل عقيم والثاني عمل فج ومثالي. والمطلوب هو “أن نبحث عن الاستعدادات الأساسية والحالات الذهنية التي تقوم عليها الحياة الأخلاقية…والاستعانة بالوسائل الملائمة [البداغوجية] لتنمية هذه الاستعدادات العامة بل لخلقها خلقا[ لدى الطفل]”. وفي مقدمة ما ينبغي أن “يتربى” عليه الطفل (= الناشئ) هو الانضباط والقدرة على التحكم في نوازعه الطبيعية والميل نحو الاعتدال. وهذه هي “الروح العامة” أو l’ethos التي ينبغي أن تهيمن كأخلاق تحل محل الدين القديم في القيام بصهر لحمة المجتمع الجديد الذي تفككت وحدته الأصلية [الميكانيكية] بفعل عملية التطوير والتحديث ويتجه راهنا، ومن داخل وحدته الجديدة [الوحدة العضوية] لتمتين وتحصين ذاته ضد أخطار التفكيك والأنوميا. وعليه، فالمهم بالنسبة لدوركهايم ليس هو نقل معارف أو إكساب التلميذ مهارات مهنية بقدر ما أن المهم هو إشاعة وتثبت “الروح العامة” الخاصة بمجتمع معين يعيش صيرورة الانتقال التاريخي وبالتالي ضمان حسن مآل هذا الانتقال إلى حد تقرير دوركهايم – مثلا- بأن الانضباط المدرسي كمنظومة من الواجبات و الإكراهات هو بنفس أهمية –إن لم يكن أكثر- مجرد نقل المعارف المدرسية. ( )

-النصوص القانونية الصادرة في التعليم في فرنسا .
1. المتعلقة بالطلاب:
أ-بالنسبة للتنظيم والتشريعات الخاصة بالسنة الدراسية: 
– قانون 3 أيلول 1792 المادة 6: كرّس هذا القانون مبدأ حرية المعتقد والديانة((ولايمكن لأي أحد أن يقلق على آراءه،حتى الدينية منها))،ومن خلال هذا القانون التأسيسي تم الإقرار بإنشاء(تعليم عام – رسمي) لكل المواطنين ومجاني. ( )
– قانون 1881 (ج.فيري)،المادة 1 : أكد على أن الدولة(لن تتقاضى أجوراً دراسية في المدارس الابتدائية العامة-مجانية التعليم-).( )
– قانون 1882 المادة 4 : (المعدلة في قانون 1936): التعليم الابتدائي إلزامي من كلا الجنسين ، سواء كانوا فرنسيين أم أجانب والذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والرابعة عشرة،وأما أن يعطى هذا التعليم في بنايات المدارس الأولية أو الثانوية في المدارس الخاصة(الحرة)والعامة،أو في البيوت من قبل رب الأسرة بنفسه أو من قبل أشخاص(إجراء متخصصين) الذين يختارهم لأداء هذا العمل،وسيحدد هذا القانون ما هي الوسائط التي تضمن إيصال التعليم الأولي إلى ذوي الاحتياجات الخاصة(الصم،البكم،العمي). ( )
المادة 10 (المعدلة بقانون 1946): إذا ما تغيب أحد الأطفال عن الصف بشكل ملحوظ وجب على الأشخاص المسؤولين عنه أن يعلموا الإدارة المدرسية بدون تأخير عن دوافع هذا التغيب.
وقد حدد هذا القانون أيضا الدوافع القانونية للتغيب بالاتي:
1. مرض الطفل (المرض المعدي أو الوبائي) لأحد أفراد الأسرة.
2. الاحتفالات الخاصة للعائلة(solenelle).
3. المعوقات الناتجة عن صعوبات التنقل.
4. التغيب المؤقت للأفراد المسؤولين إذا ما كان الطلاب تحت إشرافهم.
وتقدر الأعذار الأخرى من قبل (مقرر المدرسة/المرشد الاجتماعي) الذي يستشير المساعدين الاجتماعيين الذين يرتضيهم ويحملهم مسؤولية التحقيق في المسألة،فيما يتعلق بالأطفال الذين يفرّوا من المدرسة أو يقوموا بالعصيان. ( )
المادة 16 ،(المعدلة بقانون 1936) ،حول تلقي التعليم في البيت: يكون الأطفال الذين يتلقون تعليمهم في المنازل معرضين لتحقيق يصف حالتهم بشكل موجز(الذين في سن الثامنة والعاشرة والثانية عشر) من قبل المديرية المختصة بذلك ، من أجل إقرار ما هي الحجج المزعومة(التي تعلل)هذا العمل من قبل الأشخاص المسؤولين عن الطفل إذا ما أعطوا –الأطفال- إرشادات منسجمة مع حالتهم الصحية والاجتماعية.وتصل نتيجة هذا التحقيق إلى المفتش العام،ويمكن لهذا الأخير أن يطلب من مشرف المدرسة بان يعين أشخاصاً أكفاء لاختبار هذا الطفل،مع الأخذ بنظر الاعتبار الحالة الجسمية والعقلية للطفل.وسيختبر هؤلاء الأشخاص الطفل بـِ (المفاهيم الأساسية للقراءة والكتابة والحساب)،وفي نهاية التقرير يعرض على السلطات المختصة من خلال المقاييس المقررة،وبالتالي سيحدد التقرير إذا ما كان الطفل(عاجز،جاهل،أمي). ( )
– مرسوم قانون 1959: المادة 2 :(بالنسبة للتعليم الالزامي: يهدف التعليم الالزامي الى تعليم المعارف الاساسية ، وعناصر الثقافة العامة، ذلك تعليم الوظائف الاحترافية والتقنية(بحسب الاختيار).
– المادة 3 : يمكن أن يعطى التعليم الاساسي في البيت من قبل الأبوين(أو أحدهما)،أو شخص آخر يختارانه. ( )
ب-بالنسبة للتعليم الديني والعلمانية:
-قانون 30 مايو 1985 المادة 3 : يحدد النظام الداخلي المتبنى من قبل إدارة المدرسة الحقوق والواجبات لكل العاملين في ذلك المجتمع المدرسي،ويحدد الأشكال التي يتم فيها ممارسة تلك الحقوق والواجبات على الشكل الآتي:
1. احترام مباديء العلمانية.
2. يجب التسامح واحترام الآخر في شخصه ومعتقداته.
3. ضمان الحماية من أي اعتداء جسدي أو اخلاقي(ومعاقبة من يمارس أي اشكال العنف).
4. من الملزم لكل طالب أن يشارك في جميع النشاطات المقررة في منهجه الدراسي من قبل المدرسة،وأن ينجز جميع المهام التي تسري عليه.
5. يتحمل الطلاب بأنفسهم مسؤولية نشاطاتهم(أفعالهم،ممارساتهم…). ( )

-قانون 1984 (سافاري): (بالنسبة للجامعات): التعليم العالي علماني ومستقل عن الاتجاهات السياسية والاقتصادية والدينية والفكرية،ويطمح الى موضوعية المعرفة ، ويحترم اختلاف الاراء،ويجب أن تضمن للمعلمين والباحثين امكانية تطوير ابحاثهم بحرية،وامكانية الابداع والنقد.
تتوضح علمانية التعليم العام في المراحل الاولية على مبدأين أساسيين:
1. يجب أن يكون الفرد في المدرسة العامة علمانياً.
2. يجب أن يتخذ التعليم جانب الحياد تجاه الدين.
وقد كان مبدأ علمانية الفرد في التعليم العام في الدرجة الثانية بلا استثناء لفترة طويلة.
وفيما يخص التعليم العالي(جامعات أو مدارس) فانه لم يخضع لاي تقنين محدد ، فمنذ قيام الجمهورية الثالثة بقي الحال كما هو عليه في قانون 1886 للتعليم الاولي. ( )
فيما سبق من سرد للقوانين يتعلق بالذكور،اما فيما يخص البنات فقد كشف العليم الثانوي العام للبنات عن القلق من توسع العلمانية في المدرسة في مجمل التعليم العام،وهذا القانون-1882-المتخوف من علمنة تعليم البنات مع التطبيقات المنشأة للمدارس التي طبقت القانون يذكرنا بـِ ( ما حدث في التعليم العام في عهد الوزير ج.فيري ابان قيام الدولة بعد ثورة 1789،إذ كان 76% من الفتيان انضموا للتعليم الابتدائي العام،بينما ذهب 36% من الفتيات الى المدارس الابتدائية؛إذ أن علمنة شخصية فرد المدرسة في المرحلة الابتدائية كانت متحامل ضدها لدى الفتيات مما هو لدى الفتيان). ( )
– قانون 1882 المادة 2 : سوف تعطل المدارس الابتدائية يوماً في الاسبوع-عدا يوم الاحد-لتسمح للاباء بان يعطوا –ان كانوا يرغبون-التعليم الديني لاطفالهم خارج المدارس. ( )
– قانون 1905 المادة 30 ، إعادة (تشكيل) للمادة 3 لعام 1882: لايمكن ان يعطى التعليم الديني للاطفال مابين سن(7-14) المسجلين في المدارس الا خارج ساعات الدراسة. ( )
-قانون 1959 المادة 1 : وفقاً للمبادئ المحددة من قبل ادارة المدرسة،فإن الدولة تضمن للاطفال والبالغين المنخرطين في سلك التعليم الرسمي في المدارس العامة ،الامكانية بان يتعلموا تعليماً متعلقاً بشعائرهم الدينية باحترام وتساوي لجميع المعتقدات. ( )
– قانون 1881 المادة 1 : يجب أن تستشار رغبة الوالدين فيما يخص انخراط ابنائهم في التعليم الديني وممارسة الشعائر الدينية داخل بنايات المدارس الثانوية العامة.
المادة 2 : سيعطى التعليم الديني من قبل(رجال الدين) لمختلف الطوائف داخل بنايات المدارس،ولكن خارج ساعات الدروس الرسمية. ( )
-قانون 1960 المادة 5 : يعطى التعليم الديني -اذا كان الوالدين راغبين بذلك- يوم الخميس،أو بحسب الاختيار في أي يوم آخر،خارج المواقع الدراسية وخارج ساعات الدراسة الرسمية.
المادة 8 : تقع مسؤولية دفع أجور مدرس الدين(الواعظ)على عاتق الأهل. ( )

يظهر لنا بوضوح من خلال النصوص القانونية الآنفة الذكر والمتعلقة بالدين أن التعليم الديني معزول ومميز عن التعليم المعطى في المدارس والبنايات الرسمية،في المراحل الأولية والثانوية.وتبقى لدينا مشكبتين : الاولى ،تلك التي تتعلق بحيادية المعلمين الرسميين في اعطاء مادة(الدين)،والأخرى ، المتعلقة بحرية العبير الديني أو (السياسي) من قبل الطلبة أنفسهم. ( )
ومن الجدير بالذكر أن القوانين المتعلقة بتدريس الدين رغم أنها قد قللت من شأن هذه المادة الا أننا نجد في نص قانوني يؤكد على الاخلاق والتربية الاخلاقية.
-قانون 1882 (فيري) ، المادة 1: يتضمن التعليم الأولي التربية الاخلاقية والتربية المدنية،تعليم القراءة والكتابة،تعليم اللغة ومبادئ الادب الفرنسي.جغرافيا فرنسا،تاريخ فرنسا حتى عصرنا الحالي(الجمهورية الثالثة)،بعض الافكار عن الحريات القانونية والحقوق المدنية،مبادئ العلوم الطبيعية والفيزياء والحساب وتطبيقاتها في الزراعة والصناعة والصحة،الاعمال اليدوية واستخدام الادوات الاساسية ، مبادئ الرسم والفن التشكيلي والموسيقى ، والجمناستك. ( )
– إعلان مجلس الدولة في اجتماعه المعقود في (27/12/1989):
بدأ هذا الاعلان بسرد كامل للنصوص التي اسست له، وقد رتبت هذه النصوص على ثلاثة أقسام : النصوص المؤسسة للحريات (القوانين الفرنسية أو الاتفاقيات الدولية الموقع عليها من قبل فرنسا)، النصوص المتعلقة(الضامنة)لعلمانية الدولة والتعليم الرسمي( )،والنصوص المنظمة لهذا التعليم،وأخيراً النصوص التي تعالج مشاكل أخرى (كالميثاق الدولي لعام 1966 للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وقانون 1989 المتعلق بحقوق الدخول والاقامة في فرنسا). ( )
إن التصور الفرنسي عن التعليم الاخلاقي من قبل (فيري)كان يتضمن(علم الاخلاق في كل العالم) وعلم الاخلاق العملي المعطى في المدارس ، والذي أكد عليه فيري الذي كان متعمقاً في الرواقية( )،وقد ظهر في الخطاب الذي ألقاه في مجلس الدولة في 1883 إذ قال: ((ليس على المدرس أن يعطي كل مفردات التعليم الأخلاقي النظري)) ( )الملحقة بتطبيقاتها،وكان يلقي على الطلبة جميع الافكار المسبقة حول الشر والخير،ذلك أن اغلبية الطلبة يصلون الى سن التعليم وقد تلقوا تعليماً دينياً متحصنين بفكرة: الاله الخالق للكون،أب البشر ،ومع التقاليد والمعتقدات والشعائر الدينية المسيحية واليهودية. ( )
إن هذا الفهم الاجتماعي -في بعض جوانبه- لقضية الاخلاق يوضح لنا من جهة بان (فيري) كان قد أخذ بنظر الاعتبار ضرورة ان تشخص (الواجبات تجاه الرب) في برامج التعليم الرسمي الاخلاقي والمدني،ولكنه رفض من جهة أخرى ذكرها في القانون نفسه).
وقد طرح برنامج(1947)التعليم في الصفوف الاولية والثانوية هدفاً لتدريب(تلقين)الاطفال بين سن(12-15)على الحياة الاجتماعية التي سيشغلونها بوصفهم مواطنين عاملين أو اناساً اعتياديين،وبتربية البالغين على المعاني الانسانية من خلال توعيتهم بانهم يلتزمون بارتباطات عديدة في الحياة الاجتماعية ،وهم مقيدون بالاف الروابط الاجتماعية. ( )
ج-بالنسبة للتعليم الديني والعلمانية:
– برنامج التعليم المدني: يتعلق التعليم المدني بالقواعد الاساسية للحياة الديمقراطية،ويهتم ببعض الميادين الاساسية:المسؤولية الاجتماعية،القضايا الادارية والسياسية،موقع فرنسا بين دول العالم(من الناحية السياسية والاجتماعية)،ويؤكد التعليم المدني للطالب بانه لايعيش وحده في هذا العالم،وبأنه نتج عن تاريخ،وبأن له حقوقاً معروفة وواجبات،وينمي الفضيلة والشجاعة وحب الوطن وكره العنصرية.كما يلتقي التعليم المدني بتعليم الحقول الاخرى ،لاسيما بتعليم التاريخ ويدمج كل مفاهيم الحياة الاجتماعية في صف المدرسة. ( )
– مواد البرنامج: (المحاضرات التي تعطى للطلاب)
1. تعليم قواعد الحياة الاجتماعية الاساسية (والحفاظ على الأمن)،احترام الذات والآخر،ومعرفة حقوق الاخر،معنى التعاون ،شعارات الدولة.
2. محاضرات حول الفرد،الملكية،العقد الاجتماعي،الحزب،حق التصويت،شكل الدولة،حدود الوطن،رئيس الدولة،الوزراء،المجتمع،……….،.
3. إعلان حقوق الانسان(1789-1946)،الحريات،الانظمة العامة في فرنسا،الخدمات العامة،مفهوم الامن الاجتماعي،دراسة بنية الروابط والمؤسسات الاجتماعية،الاعلام،استطلاعات الرأي،موقع فرنسا من العالم،الدفاع عن الامن الوطني،أوربا والعلاقات الدولية،الامة والانسانية،المواطن والجمهورية. ( )
2.المتعلقة بالمدرسين:
– قانون 1850 : ان المعلم والمعلمة الدينيين يدرسان داخل المدرسة جنباً الى جنب مع المدرسين العلمانيين .ومن المفارقة أن هذا القانون كان مفضلاً لدى المعلمين الدينيين أنفسهم ، والذين أصبحوا قادرين على التدريس بدون تلك الشروط التي تفرض على المدرسين العلمانيين بان يكونوا خاضعين لسلطة وزير التعليم واجازته لهم بالعمل. ( )
– قانون 1866 : أسس جان مارسيه(رابطة المعلمين). ( )
– 1879 قانون : قام فيري في هذا القانون باعادة إقرار التوازن في الرتب(المراتب)بين المعلمين الدينيين والعلمانيين،دون المساس بحرية التعليم،وقد سمح هذا القانون بتأسيس الهيكل التعليمي تدريجياً. ( )
– قانون 1889: أقرّ هذا القانون بتعيين وتدريب معلمين لوظائف الدولة.
– قانون 1901 : أجبر هذا القانون جميع المعلمين والرهبان ان يحصلوا على إجازة لكي يستطيعوا الاستمرار بأداء نشاطهم في التعليم.
– قانون 1905: منع هذا القانون جميع(الرهبان المعلمين)من التعليم في المدارس العامة ، وقرر إغلاق المدارس الدينية.كما صدر في نفس العام قرار بعزل الكنيسة عن الدولة. ( )
– قانون 1886: المادة 1 : يكون مدراء ومديرات المدارس الخاصة احرار في اختيار مناههجهم العتليمية والنظريات والبرامج والكتب،ويجب أن يضمنوا عدم استخدام الكتب التي منع تداولها من قبل المجلس التعليمي الاعلى العام.
– المادة 40: يمكن أن يطرد أي مدرس من من مدرسي المدارس الخاصة بناء على شكوى مقدمة من مدير المدرسة الى (المديرية التعليمية)اذا ما ارتكب خطأ فادحاً أثناء ممارسته لوظيفته،مهنياً أو أخلاقياً ، ومن الممكن أن يمنع او يوقف مؤقتاً عن أداء الوظيفة. ( )
– المادة 4: لايمكن لأي شخص أن يكون مديراً او معاوناص مسؤولاً عن الصفوف الدراسية (في مدرسة عامة أو خاصة) مالم يكن فرنسياً ، وأن يحقق شروط الكفاءة المقرر في قانون (1881) وشرط العمر المقرر في القانون الحالي.ويمكن للاجانب الذين يحققون الشرطين المثبتين آنفاً والذين يبدون رغبتهم في السكن في فرنسا والخضوع لقانونها المدني أن يدرسوا في المدارس الخاصة بعد الحصول على إجازة من وزير التعليم بعد استشارته لمجلس المحافظة(المنطقة التعليمية) ويجب على الاجانب ان يكونوا حاصلين على شهادات وظيفية تعادل العناوين الوظيفية المسجلة في فرنسا. ( )

المصادر والمراجع:

-المصادر العربية والمعربة:
1. سترومبرج ،رونالد .
– تاريخ الفكر الاوربي الحديث 1601-1977م،ترجمة :احمد الشيباني ،دار القاريء العربي ،ط1415،3هـ،1994م.
2. سوبول،ألبير.
– تاريخ الثورة الفرنسية من الباستيل الى الجيروند،ترجمة:جورج كوسى،منشورات عويدات،(بيروت 1970)ط1.

3. فيزي،جون.
– -التعليم في عالمنا الحديث،ترجمة : محمود الأكحل،دار الآفاق الجديدة،(بيروت 1976).
4. موسى،منير.
– -تاريخ التربية في الشرق والغرب.
-المصادر الاجنبية:
1.الكتب:
1. Mayeur, Françoise.
– Histoire de l’enseignement et de l’éducation. 1789 – 1930. Tempus, 1981.
2. Duru-Bellat, Marie.
– et Agnès Van Zanten, Sociologie de l’école, Collection U, Armand Colin, 1999.
3. Raymond and Harrigan, Patrick.
– School, State and Society: The Growth of Elementary Schooling in Nineteenth Century France (Ann Arbor, Michigan, 1991)..
4. Prost, Antoine.
– Histoire de l’enseignement et de l’éducation. Depuis 1930. Tempus, 1981.
5. Katherine, Auspitz.
– The Radical Bourgeoisie: The ‘Ligue de l’Enseignement’ and the Origins of the Third Republic, 1866-1885, Cambridge University Press, 1982.
6. Shapiro, Ann-Louise.
– Housing the Poor of Paris, 1850-1902, Madison, University of Wisconsin Press, 1985.
7. Benigno cacérès .
-Histoire de l’éducation populaire ,Ed du Seuil, (Paris, 1964.(
8. Claude Leliévre .
– Jules Ferry, la République éducatrice .Hachette Paris, 1999
9. Ferdinand Buisson .
– article « Laïcité », Dictionnaire de pédagogie et d‘instruction primaire, 1édition, 1partie,pp 1469-1474.

2.الدوريات:
10. Chouteau ,Marianne, Chronologie de l’éducation religieuse. Le concept de laïcité : la fin de l’éducation religieuse au sein de l’école
11. Ecrits sur l’instruction publique vol.2,(Paris,Edilig ,1989).
12. Paris, Hachette, 1878-1887 , vol.4. Nouveau Dictionnaire de pédagogie et d’instruction primaire, Paris, Hachette1911.
13. L’évolution pédagogique en France Alcan, 1938 ; réed «quadrige » PUF, 1990.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s