عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ الحملة الفرنسية يبشر بالعلمانية في مصر 1798-1801


– ماجستير في التاريخ الحديث – جامعة الموصل – كلية الاداب
المقدمة:
نجح نابليون في كسب رأي النخبة في مصر وهم العلماء،الذين أصدروا فتوى لجيشه بجواز عدم الختان لجنده،والسماح لهم بشرب الخمر،بعد أن طلبوا منه أن يكون قائد الجيش الذي سيدافع عن بيضة الإسلام،وأصبح الرأي العام المصري آنئذ ينظر إلى نابليون بأنه المخلص الذي جاء لإنقاذ المسلمين من الظلم والاضطهاد الذي مورس بحقهم،وأشار نابليون إلى أن الشائعات بدأت تنتشر بان نابليون رأى النبي محمد في منامه،الذي أوصاه بان يدافع عن المسلمين إذا دخل هو جيشه الإسلام،وبدأت النخبة بمراسلة شريف مكة آنئذ،فكتبوا في (18 ربيع الثاني 1213هـ/29 سبتمبر 1798م)،ذكروا فيها أن نابليون وجيشه قصدهم إخراج البلاد مما هي فيه من الفساد والخراب،وان شريف مكة لايجب أن يقلق على مصر من جيش نابليون،لأنه جيش مسلم.والحقيقة أن هذا الأمر من الخطورة بمكان،إذ كيف استطاع نابليون أن يكسب ود-أو على الأقل تفهم-نخبة العلماء،ووضعهم في صفه،وبالتالي قد أنهى بذلك العقبة الأكثر خطورة،وهي “الرأي العام المصري”،فهو في نظرهم قد أصبح مسلما،وهذا يقودنا إلى أن الغرب استطاع أن يفهم الشرق وان يعرف المكنونان التي يمكن أن يدخل من خلالها إلى العقل العربي الإسلامي،ويقودنا إلى أن العرب المسلمين،لم يفهموا الغرب كفهمه لهم،وإنما اعتمدوا على حسن الطوية في التعامل،جراء الظروف التي مروا بها،ويقودنا إلى التساؤل في هل كان لنخبة العلماء دور في “تجذير الإستشراق”،وإذا كانت الإجابة نعم،فربما يجب أن نعيد حساباتنا في قضية مهمة هي”مدى مسؤولية العلماء المسلمين في التأصيل الغربي في الشرق”،ومهما يكن من أمر،فقد كان موقف عبد الرحمن الجبرتي،وهو الوحيد في تلك الفترة الذي استطاع فهم الغرب ممثلا بالفرنسيين،بصورة مختلفة تماما.
لقد قدر نابليون حق قدره الأثر الذي سيتركه هذا الحدث على العلاقات بين أوربا،والشرق ،وأفريقيا،وعلى الملاحة في البحر المتوسط،وعلى مصير آسيا،وأراد نابليون أن يقدم مثلا أوربيا نافعا للشرق،وأن يجعل حياة السكان،في نهاية المطاف،أكثر سعادة،وأن يستحضر إليهم أيضا جميع المزايا الكامنة في حضارة وصلت إلى درجة الكمال،ولم يكن ممكنا تحقيق شيء من هذا كله دون التطبيق المستمر على المشروع للآداب والعلوم،أن ينقذ إقليما من بربريته الحاضرة،ويعيده إلى عظمته الكلاسيكية السابقة،أن يلقن الشرق لمصلحته هو طرائق الغرب الحديث،أن يحل القوة العسكرية محلا أدنى،أو يقلل من أهمية دورها تعظيما لمشروع المعرفة الممجدة التي اكتُسِبَت أثناء عملية السيطرة السياسية على الشرق،أن يصوغ الشرق،يعطيه شكلا،وهوية،وتحديدا يصحبه اعتراف كامل بمكانه في الذاكرة،وبأهميته بالنسبة للإستراتيجية الإمبراطورية،وبدوره الطبيعي من حيث هو ملحق لأوربا،أن يجل المعرفة المجمعة خلال الاحتلال الاستعماري ويشرفها بتسميتها ((إسهاما في نمو المعرفة الحديثة))،في حين لم يكن السكان الأصليون قد استشيروا أو عوملوا إلا بوصفهم ذريعة لخلق نص لاتعود الفائدة منه على السكان الأصليين،أن يشعر المرء بنفسه أوربيا في مركز القيادة،كيف شاء تقريبا،للتاريخ الشرقي،والزمن الشرقي،والجغرافية الشرقية،أن يؤسس مجالات جديدة للتخصص،وان ينشئ فروعا جديدة للمعرفة،أن يقسم،ويوزع ويجدول،ويصنف مؤشرات،ويسجل كل ما تتناوله الرؤيا وما لاتتناوله،أن يشكل كل جزئية تلاحظ تعميما،ومن كل تعميم قانونا لايتغير للطبيعة الشرقية،والمزاج الشرقي والعقلية الشرقية،والنمط الشرقي.
إن شكل الحكم الذي ينتظره الجبرتي،كان الديوان الذي أنشأه نابليون يعطي الجبرتي،الصورة الأكمل،للحرية التي ينتظرها،فالديوان هو الساحة التي يتداول فيها أهل الحل والعقد أحوال الرعية والبلد،ويحق فيه إبداء الرأي دون الخوف من الإقصاء أو القتل،ولايتحكم احد فيه ولا يستولي على السلطة بمفرده،وإنما تتم فيه المشاورات،ولا يفرض عليهم شخص وإنما ينتخب باستفتاء يجريه أعضاء الديوان.
لقد مر الجبرتي في صراع داخلي كانت أطرافه ،المماليك والعثمانيين،وما قاموا به،وخصائصهم وشؤونهم من جهة،والفرنسيين المتمثلين بالعقل والحكمة والعدل،من جهة أخرى،ولم يكن ليخفى على الجبرتي أن الفرنسيين غير مسلمين،وحتى الجنرال مينو الذي أعلن إسلامه وبدل اسمه إلى عبد الله جاك مينو،لم يخفى على الجبرتي انه إجراء يهدف إلى إخفاء الهدف الحقيقي،وحتى قضية سليمان الحلبي ومحاكمته،لم يكن الجبرتي ليعلن فيها انه قد رضي كل الرضا عما جرى،ولكن أدرك في مخيلته ومن خلال تتبعه لطبيعة النظام القائم في فرنسا والذي طبق في مصر،انه ربما يصلح هذا النظام على المصريين،ويكون بديلا للنظام الذي اتبعه المماليك والعثمانيين،ذلك النظام الذي لم يرضَ عنه الجبرتي قط،مع كون الحاكمين مسلمين،ولكن قد يكون الصراع الفكري الذي عانى منه الجبرتي هو هل أن الإسلام هو الشكل الأمثل للحكم العادل،فالفرنسيين قد احتكموا للعقل ولادين لهم.
لقد راهن نابليون على هذه الحاسّة فخاطب الشعب المصريّ بظلم المماليك، وانتبه الجبرتي إلى انقلاب محاور التاريخ؛ فكتب الجبرتي في تاريخه مأخوذاً بالإجراءات القانونية لمحاكمة (سليمان الحلبي) كما أتى في وصف المؤرخ البريطاني (توينبي) الجبرتي كان يتمتع بحس حضاري ـ فلم يخلب لب الجبرتي فرقعات النيران والألعاب بل المرافعات القانونية،إذاً الذي خلب لبّ الجبرتي هو دولة الحقّ والقانون التي حاول نابليون تعميمها، والتي تستند على المعرفة والعلم والتمدن وليس نيران مدافع نابليون وبسالة جنوده.
وقد أشار الجبرتي إلى ذلك بصراحة، فانه بطبيعة الحال يتعقلن الفرنسيين-على أن هذا لايعني بحال من الأحوال أن الجبرتي يحابي الفرنسيين-الذين((اشتاقت أنفسهم لاستخلاص مصر مما هي فيه،وإراحة أهلها من تغلب هذه الدولة-المماليك-المفعمة جهلاً وغباوة ،فقدموا و حصل لهم النصرة ،ومع ذلك لم يتعرضوا لأحد من الناس ،ولم يعاملوا الناس بقسوة،وان غرضهم تنظيم أمور مصر)) ، قلت-أي الجبرتي-:((ولم يعجبني في هذا التركيب إلا قوله المفعمة جهلا وغباوة بعد قوله اشتاقت أنفسهم،ومنها قوله بعد ذلك:ومع ذلك لم يتعرضوا لأحد إلى آخر العبارة)).
مع ذلك كان الجبرتي مقتنعا بالدور البارز الذي يتعين على العلماء لعبه كناصحين لذوي النفوذ والسلطة،لكن مفهومه الارستقراطي للمجتمع قد جعله يحتقر العامة ويزدري الجماهير وحركاتها،وقوة ذهنه النقدي،والذي ألهمه تصورا قليل التأييد من جانب زملائه عن الفئة الحاكمة المغلقة على نفسها،لامراء في أنهما قد أبعداه عن الانخراط في الحياة السياسية قبل عام 1798،مع انه كان آنذاك قد وصل إلى النضج والرشاد،وبما أنه قد بدأ في كتابة تاريخه لمصر،فلابد أنه قد أغراه أن يروي الأحداث الاستثنائية التي كان بلده مسرحا لها،وع اقتناعه بتفوق الإسلام وعداوته بالطبع لأيدلوجية ولعادات الغزاة،إلا انه كان يتميز بذهنية منفتحة وحرة بما يكفي لتقدير بعض التجديدات التي جاء بها الفرنسيون،ولهذا الغزو روايتين متعاقبتين حيث تظهر بينهما اختلافات مهمة في تقديم الإحداث،إلا انه في كلا العملين،كانت النظرة العامة واحدة:ليس بالإمكان عمل شيء في الساحة ضد محتل متفوق من الناحية العسكرية،ومن ثم فان التمردات محكوم عليها بالفشل وليس من شأنها سوى مفاقمة شقاء البلد،وفي نظام الفرنسيين السياسي والإداري ،وفي تقنياتهم،توجد عناصر يمكن أن تكون محل تفكير مفيد.
ومع أن فضوله كمؤرخ وضرورة حصوله على المعلومات المفيدة لابد أنهما قد قاداه إلى رصد الفرنسيين عن قرب،إلا انه لم يكن هناك ما يلزم الجبرتي بالتعاون معهم،وهو لم يكن عضوا في الديوانين الأولين،ولا حتى في ديوان الستين،ودخوله ديوان مينو يدعو إلى الحيرة،لان الجبرتي لم يكرر،بعد عام 1801 ،هذه التجربة الخاصة بالمشاركة في الحياة السياسية الايجابية،وسوف يظل معارضا حازما لمحمد علي،ويبدو أن حضوره كان متصلا،ولكن مشاركته كانت قليلة النشاط،ففي السجل المحفوظ للجلسات الأخيرة،والتي نقلها الجبرتي في كتابه عجائب الآثار،لم يتكلم سوى مرة واحدة،إلا انه قام بالطبع بالاستماع وبالتسجيل وبجمع الوثائق بفضل صديقه الخشاب دون شك،وربما توجب الاكتفاء بتصور أن الجبرتي قد قرر اغتنام الفرصة التي أتيحت له،في ظروف نجهلها،لكي يرى عن قرب سير عمل مؤسسة أقامها الفرنسيون،دون أن تدخل هذه المشاركة تعديلا على حرية النظر النقدية التي ألقاها المؤرخ عن تلك الفترة المضطربة وعلى لاعبي الأدوار في الدراما الجارية.
وكانت فلسفة الجبرتي للتاريخ أنّ الرجال العظام من أمثال نابليون أو سواه هم الذين “يحقّقون العقل في التاريخ وينجزون التقدم البشري ويقفزون بالمجتمع خطوات إلى الأمام. إنهم عملاء للتاريخ أو وكلاء له. بمعنى أنهم مكلّفون بأداء مهمة تتجاوزهم وتتخطّى أشخاصهم. إنهم مجرّد أداة للتاريخ يحقّق من خلالهم مآربه”.فقد حاول نابليون أن يدغدغ مشاعر المسلمين في خطابه،فكانت فاتحة عهده مع المصريين “بسم الله الرحمن الرحيم لا اله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه”.
وحتى مع النظام العلماني الذي أراده نابليون لمصر،لم يكن الجبرتي أكثر من مراقب للحدث،ولكنه يستبطن التصورات التي كونها عن الفرنسيين،فيتأنى في وصف ذكرى الثورة الفرنسية التي أجراها جنود الحملة في القاهرة،في (11 سبتمبر 1798م) ،فالفرنسيين قد تباحثوا في من سيمثل الشعب في الديوان،ولم يفرض عليهم أحد وإنما ترك لهم الوقت الكافي لاختيار ممثليهم.
لقد راهن الجبرتي على أن الشعب يجب أن يتطلع إلى التغيير،ويجب أن يفهموا التغيير الحاصل،فقد جاء الفرنسيون وأثروا فيها بخيرهم وشرهم،وكان من نتيجة ذلك أن تغيرت نظرة المصريين إلى الحياة،وأخذوا يفهمون بعض المعاني الجديدة،كمعنى الحرية الشخصية ومعنى المساواة،ومعنى الشعب وحقوق الشعب،ونظام الحكم،،يورد الجبرتي نصا يقارن فيه بين العثمانيين والفرنسيين في مسألة جباية الضرائب،فيقول:” مع أن الفرنساوية لما استقر أمرهم بمصر ونظروا في الأموال الميرية والخراج فوجدوا ولاة الأمور يقبضون سنة معجلة ونظروا في الدفاتر القديمة واطلعوا على العوائد السالفة ورأوا ذلك كان يقبض أثلاثا مع المراعاة في ري الأراضي وعدمه فاختاروا والأصلح في أسباب العمار وقالوا ليس من الإنصاف المطالبة بالخراج قبل الزراعة بسنة وأهملوا وتركوا سنة خمس عشرة فلم يطالبوا الملتزمين بالأموال الميرية ولا الفلاحين بالخراج فتنفست الفلاحون وراج حالهم وتراجعت أرواحهم مع عدم تكليفهم كثرة المغارم والكلف وحق طرق المعينين ونحو ذلك”.
ولم يعد المصريون حسب رأي الجبرتي يتحملون النظام الذي يمارسه العثمانيين الذي يقوم على الفوضى والفساد،:” انظر إلى عقول هؤلاء المغفلين يظنون أنهم استقروا بمصر ويتزوجوا ويتأهلوا مع أن جميع ما تقدم من حوادث الفرنسيس وغيرها أهون من الورطة التي نحن فيها الآن”.
وحتى النساء كان لهن نصيب من حرية الفرنسيين،فقد انتبه الجبرتي إلى الفرنسيين،لما دخلوا القاهرة ومعهم نسائهم:” لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات الصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقا عنيفا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة”.وليس معنى ذلك أن الجبرتي يحض على التبرج والسفور،وإنما ذلك يعني أن المجتمع المصري قد دخل مرحلة تحولات لايمكن أن يعود عنها،أو أن يرضى بغيرها حلا لمشكلاته.تلك القضية التي راهن عليها الغرب،وهي”الفراغ الاجتماعي والسياسي”في المجتمعات العربية الإسلامية.


– الخلفيات التاريخية والاجتماعية للجبرتي.
– المبحث الأول: التكوين الفكري والتاريخي للجبرتي.
-أولا: حسن الجبرتي.والد عبد الرحمن الجبرتي.
إذا ما أردنا فهم الصيغة الاجتماعية التي عاشها عبد الرحمن الجبرتي،لابد أولا أن نفهم كيف عاش والده،الذي كان له الأثر الكبير في تكوين شخصية عبد الرحمن الجبرتي،فكل إسلاف الجبرتي،يظهر تأثيرهم ويختفي على شخصية والده،حسن،الذي هو بلا شك كان له اكبر الأثر في ابنه أكثر من أي شخص آخر،هذا الأب هو المفتاح الذي صنع من الجبرتي مؤرخا( )،وتعظيم الابن للأب مبالغ به إلى حد بعيد، لاسيما عندما وصفه بأنه “عمدة الأنام وفيلسوف الإسلام”( )،لكنه لم يكن ليخترع تلك الحقائق الكثيرة التي ذكرها عن أبيه.ومن خلاله سنفهم الكثير من التفاصيل المجهولة في حياة الجبرتي الابن،فحسن الجبرتي لم يكن مجرد عالم فلكي،بل هو فقيه له سلسلة من الشيوخ أخذ عنهم العلم، وسلسلة من التلاميذ،وله علاقات كثيرة جدا ومتشعبة،فقد وقفنا على شبكة من العلاقات الداخلية والإقليمية وتعدت إلى العلاقات الدولية( ).
من الجدير بالذكر أن حسن الجبرتي قد درس عنده طلاب فرنسيين جاءوا إليه سنة 1159هـ/1746-1747م،ودرسوا علم الهندسة على يديه،وأهدوا إليه بعض الآلات الهندسية، والحقيقة أن الفترة الممتدة من بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر إلى قيام الثورة الفرنسية 1789م،امتازت بالاهتمام الفرنسي بالحصول على المخطوطات العربية،فضلا عن النشاط المتزايد للاستشراق الفرنسي،فقد تأسست في فرنسا مدرسة فتيان اللغة(L É cole des jeunes de langues) سنة 1669م ،والتي تخرج منها عدد من أكابر المترجمين الملمين باللغتين العربية والتركية،في الفترة(1721-1761)،وكانوا من الذين رافقوا حملة نابليون إلى مصر في 1798م،وفضلا عن اهتمامها بدراسة اللغة العربية والتركية والفارسية،كانت مهتمة بدراسة الهندسة والفلك والرياضيات والرسم ،ولا يستبعد أن يكون هؤلاء الفرنسيون الذين درسوا عند حسن الجبرتي،هم من المستشرقين الفرنسيين؛ويشار أن التواجد الفرنسي في مصر كان أقدم من ذلك،وقد شكلوا جالية هناك( ).وفضلا عن العلاقة المتينة بينه وبين المماليك خصوصا منهم علي بك الكبير(1168-1187هـ/1755-1774م)( )،إضافة إلى المكانة الاجتماعية التي كان يتمتع بها حسن الجبرتي،فهو ذا سلطة ونفوذ وثروة.( )
ينحدر حسن الجبرتي الذي ولد في سنة(1110هـ/1698م) من عائلة أصولها حبشية من إقليم الجبرت في الحبشة.وتقع جبرت بالقرب من ميناء زيلع الواقع قرب مدخل البحر الأحمر من الجنوب الشرقي له،وقد حكمت هذه المنطقة من قبل نجاشي الحبشة:والحقيقة أن عائلة الجبرتي كانت متزمتة دينيا إلى حد بعيد،وكانوا زهادا،رحل أكثرهم إلى مكة مشيا على الأقدام،وكانوا على المذهب الحنفي أو الشافعي،ويشير د.أيلون أن عبد الرحمن الجبرتي يخفي شخصيته بالكامل في كتابه،في حين أن بعض معاصريه تكلموا عنه قليلا،والحقيقة أننا لانعلم لماذا هذا الغموض من قبل الجبرتي،إلا أننا من خلال دراستنا لشخصية والده حسن،ربما نستطيع اكتشاف الجوانب الغامضة من شخصية عبد الرحمن الجبرتي( ).
رحل الجد السابع عبد الرحمن زائرا إلى مكة المكرمة ومجاورا لها،ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة لينضم إلى الجامع الأزهر ويؤسس رواق للجبرتية في 1-محرم-901هـ/20-سبتمبر/أيلول-1495م، كما عمل قاضيا في القاهرة،وليس لدينا معلومات كافية عن ممارساته القضائية( )،تزوج بعد ذلك وأنجب ولدا اسمه محمد،وورثه شيخا على رواق الجبرتية،ثم أعقب ولده علي على مشيخة رواق الجبرتية،والذي تزوج من زينب بنت القاضي عبد الرحيم الجويني،فصار له شهرة وثروة،وخلف ولدين:حسن(ت1097هـ)،وعبد الرحمن الذي توفي في حياة أخيه سنة (1089هـ)،ثم تحولت الثروة التي خلفها علي من زوجته زينب الجوينية إلى ولده حسن،الذي تزوج من مريم بنت العمدة محمد بن عمر المنزلي الأنصاري،ثم توفي حسن فأعقب إبراهيم فتكفلت أمه مريم على أمواله،وتزوج من ستيتة بنت عبد الوهاب أفندي الدجلي سنة 1108هـ،ثم ولد له حسن الجبرتي سنة 1110هـ،فلما توفي والده كفلته أمه ستيتة بوصية من جدته أم أبيه مريم،وكان الشيخ محمد النشرتي( )،الذي قرره على مشيخة رواق الجبرتية، موكلا بتصريف أحوال العائلة بحكم وصايته على حسن الجبرتي. وقد ورث حسن الجبرتي الكثير من الأوقاف التي أوقفتها جدته مريم ،وتوفي حسن الجبرتي في عام 1188هـ/1774م،عن عمر ناهز 77 عاما ( ).عندما كان ابنه عبد الرحمن يبلغ من العمر(21 عاما).فتحولت جميع الأملاك والأوقاف التي خلفها أسلافه إليه دون منازع على تلك الأموال والثروات الطائلة( ).
يبدو جليا أن الجد السابع لعائلة الجبرتي والذي تنتهي معرفة عبد الرحمن الجبرتي لأجداده به،حتى أن-الجبرتي مؤرخنا- يشدد على أن معرفته بنسبه تنتهي بجده السابع عبد الرحمن ( )-،قد تزوج من مصرية لما نزل مصر وأسس رواق الجبرتية فيه،والذي يهمنا في الأمر أن عائلة الجبرتي كانت ذات ثروة وجاه كبيرين،ولعل ذلك جاء من المصاهرة التي قام بها الجبرتية من العائلات المصرية المشهورة والغنية،فقد تزوج علي بن محمد بن عبد الرحمن من زينب بنت الجويني،فصارت له شهرة وثروة،وورث عنها ولده حسن الثروة الكبيرة،وهكذا تجمعت الثروة والشهرة بيد الجبرتية،وربما كان تعاقبهم على مشيخة رواق الجبرتية نتيجة تلك المصاهرات التي زادت من ثروتهم.والتي تحولت نهاية المطاف إلى حسن الجبرتي( ).
وهذا يعني بمجمله أن الشيخ حسن الجبرتي قد عاش في بيئة اجتماعية مرفهة،اجتمعت بيدها السلطتين الدينية والمالية،مما انعكس بدوره إلى أن يكون حسن الجبرتي متعدد المواهب والصفات،وله قدرة على التمتع برغد العيش دون الحاجة إلى العمل الشاق الذي يمارسه معظم المصريين آنذاك( )،وان تكون له كلمة مسموعة بين العلماء وأرباب السلطة من كبار رجال الدولة.حتى أن حسن الجبرتي يقول انه لم يعرف احتياجات أهله وبيته إلا بعد موت جدته مريم( )،أي انه لم يكن ذا مسؤولية توجب عليه الاهتمام بالأمور المنزلية لما له من ثروة طائلة.فقد كان يتنقل بين البيوت والمساكن التي ورثها في كل بيت يقضي أياما حسب ما تقتضيه حالته النفسية.كذلك فقد اشتغل بالتجارة،كما انه عمل في السلطة،فبعد أن تزوج بنت الأمير المملوكي علي أغا باش اختيار متفرقة الذي كان يحكم قلاع الطور والسويس والمويلح بالطوري،وبعد موته تقلد حسن الجبرتي منصبه فترة من الزمن،ثم تزوج من بنت رمضان جلبي بن يوسف المعروف بالخشاب( )،وهم بيت مجد وثروة ببولاق،ولهم أملاك وعقارات وأوقاف،وقد كان حسن الجبرتي مولعاً بالنساء فقد تزوج كثيرا( )،كما كانت زوجته تقدم له الكثير من الجواري( ).
و ذكر احد المستشرقين الفرنسيين،وهو الرسام بريس دافين، أن حسن الجبرتي كان مولعا بالنساء،فكان يمتلك الكثير من السراري والجواري،حتى أن زوجته كانت تقدم له عدد من الجواري تعبيرا منها على احترامه. ويؤكد ذلك عبد الرحمن الجبرتي، أن والده كان له ثلاثة مساكن أحدها هذا المنزل بالقرب من الأزهر وآخر بالابزارية بشاطىء النيل ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه وفي كل منزل زوجة وسرارِ وخدم فكان ينتقل فيها مع أصحابه وتلامذته وكان يقتني المماليك والعبيد والجوارى البيض والحبوش والسود ومات له من الأولاد نيف وأربعون ولدا ذكورا وإناثا كلهم دون البلوغ ولم يعش له من الأولاد سوى الحقير( ).
وهذا ما دفعنا إلى الاعتقاد بان عائلة الجبرتي كانت من العائلات الإقطاعية في مصر،لما لهم من ثروات وأملاك كبيرة،وكانوا حريصين جدا على الزواج من العائلات المشهورة بالمجد والثروة،ومما يثير الدهشة أن كنية”الجبرتي”ظلت ملازمة للعائلة لفترة طويلة حتى بعد وفاة عبد الرحمن الجبرتي(مؤرخنا)،مما يعني أنهم حرصوا كثيرا على الحصول على مكانة اجتماعية وعملوا على ذلك ونجحوا،فكما رأينا من المصاهرات التي بدأت من جدهم السابع عبد الرحمن وصولا إلى حسن الجبرتي والد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي،حرصوا جميعهم على مثل تلك المصاهرات،حتى أن عقد الزواج لأحد أجداده قد ((حرر وسطر بالذهب وعليه لوحة مموهة بالذهب))،وقد كان حسن الجبرتي أكثرهم دقة في اختيار زوجاته،فتزوج من بيت ثروة وسلطة،ليدعم بذلك الثروات التي كان يملكها،لان الثروة لايمكن أن تبقى بيد أصحابها دون تدعيمها بالنفوذ السلطوي الذي يسهل عملية الحفاظ على الثروات من أي طارئ من شأنه أن يذهب تلك الثروات( ).
وقد كان لحسن الجبرتي علاقة وطيدة مع العثمانيين والمماليك،فضلا عن أقرانه من العلماء،و كان لحسن الجبرتي حظوة ومكانة كبيرة عند أقرانه من العلماء،وكانت له هيبة عظيمة،حتى أن بعضهم وصفه بأنه (صاحب أسرار)،وكان ذا شخصية قوية جدا،بحيث فرض على الآخرين احترامه،فقد كان مربوع القامة،ضخم البنية،ابيض اللون ،ذا لحية منورة الشيبة،وواسع العينين،غزير شعر الحاجبين،وجيه الطلعة،يهابه كل من يراه،ويود انه لايصرف نظره عنه( )،فربطته علاقة مع الوالي العثماني احمد باشا المعروف بكور الوزير(1162-1173هـ/ 1749- 1759م)،وبلغ الأمر انه-أي احمد باشا-لما طلب من حسن الجبرتي الحضور وأراد من احد جلسائه أن يبلغه قيل له أنه لابد أن يرسل إرسالية-أي يكتب له شخصيا-لحضوره،لان له مكانة عالية،وكان يلتقي به يومين في الأسبوع( )، فكان حسن الجبرتي هو الذي حفظ سمعة مصر كمركز للعلم في عين احمد باشا الكور،الذي كان لديه نظرة متشائمة عن علم الرياضيات في مصر( )،كذلك تراسل حسن الجبرتي مع السلطان العثماني العالم مصطفى الثالث بن احمد(1171-1187هـ/1757-1773م)الذي كان له اهتمام خاص في الرياضيات والتنجيم( )،كما أرسل له ثلاث كتب من خزانته الخاصة( )،فضلا عن علاقته مع كبار رجالات الحكومة في القسطنطينية(أكابر الدولة بالروم)،و أرسل له حكام(باشوات)تونس والجزائر كتب من مكتباتهم( ).
ولم تكن علاقته مع المماليك بأقل منها مع العثمانيين،فاعتبر شخصا ذا حضوه عند العثمانيين،عندما قرر علي بك الكبير تقديم شكوى ضد حاكم سوريا عثمان بك العظم،واستخدام الشكوى كذريعة للهجوم على سوريا،فطلب من حسن الجبرتي أن يحرر رسالة يرفعها للباب العالي لتأييده،لاعتقاده بأن حسن الجبرتي سيلقى القبول لدى العثمانيين،( )،كما ذهب علي بك إلى ابعد من ذلك حين طلب منه أن يرسل مبعوثين خاصين من قبله ليحملوا رسالته إلى القسطنطينية،فاختار حسن لذلك الغرض(عبد الرحمن العريشي و محمد أفندي البردلي). لعل اختيار حسن الجبرتي للعريشي كان في محله،لأنه شامي،وكان مفتي الحنفية والمتحدث عن رواق الشوام في الجامع الأزهر( )،وكانت له علاقة وطيدة مع عثمان بك ذوالفقار المملوكي(1138-1190هـ/1729-1776م) – الذي أحبه وأجله كثيرا- ورافقه إلى مكة للحج ثلاث مرات،وكتب له رسالة عن مناسك الحج،وقرأ عليه عدد من المصنفات،من ضمنها”مقامات الحريري”( ).
يبدو أن حسن كان عالم كبير،من خلال علاقاته مع كبار علماء عصره،ومن خلال قائمة طلابه،الذين أصبح قسم منهم علماء مشهورين،(لاعتباره فقيه وسط طبقة السلطة)،و ذكر عبد الرحمن الجبرتي(مؤرخنا) أن اثنين من أبناء خال والده كانوا جلساء لعثمان بك ذوالفقار، ( )،لكن حتى في حقل طلب العلم،لم يحصر نفسه في حدود الدراسات الشرعية،فقد عرف لغات غير العربية،إذ أتقن الفارسية والتركية بحيث اعتبره البعض تركيا أو فارسيا لشدة إتقانه للغتين،و أشار عبد الرحمن الجبرتي(مؤرخنا) أن شخص يدعى محمد أفندي بن إسماعيل السكندري المنشئ الكبير في عصره في مصر،ومؤلف كبير في العربية والفارسية والتركية،كان والده يهوديا،اعتاد على زيارة حسن الجبرتي( )،كما درس علم الرياضيات والهندسة والجبر وعلم الفلك( ) وعلوم أخرى،وكانت له خبرة ومقدرة كبيرة في التقويم،وفن الخط والنقش والنحت،وحسب ما ذكر ابنه عبد الرحمن،كانت له آثار معمارية عديدة نصبت في الجامع الأزهر،وجامع الاشرفية،وجامع قوصون،ومشهد الإمام الشافعي،وبلغ من كثرة اشتغاله بالنحت والنقش أن تعلم خدمه تلك الحرفة ( )،فضلا عن معرفته المتقنة لموازين القبان،وكان له العديد من الطلاب من البلدان الأخرى،في العلم والحرف.وان كل هذه الاهتمامات العلمية والعقلية لم تؤثر على حماسه الديني( )،قال عنه شيخ الشيوخ على العدوي(لم نرَ ونسمع من توغل في علم الحكمة والفلسفة وزاد إيمانه إلا هو) ( ).والحقيقة أن سلسلة شيوخ وطلاب حسن الجبرتي يطول ذكرها( ) .
ليس هناك أدنى شك من أن انتمائه للمذهب الحنفي كان من شأنه أن يعمق صلاته مع العثمانيين والمماليك،الذين كانوا على نفس المذهب،إذ أرسل له السلطان مصطفى الثالث كتاب في الفقه الحنفي،(الفقه الحنفي)،وقد تعامل معه كشخص عادي دون رسميات،واظهر له الاحترام،كذلك كانت له سمعة وتأثير في أوساط الحكم في الدولة العثمانية.على الرغم من الدراسات والاهتمامات الواسعة التي عمل فيها حسن،إلا أن التاريخ لايظهر من ضمنها،إذ لايظهر التاريخ بين العلوم الكثيرة التي تلقاها عن شيوخه،ولابين رسائله ومؤلفاته،ولابين وظائفه المتعددة والمختلفة،سوى مكتبته الضخمة،كعدد قليل من العلماء،أو المكتبات الخاصة،فقد امتلك حسن الجبرتي مكتبة ضخمة احتوت على كتب ومصنفات في سائر العلوم،وكانت من بينها كتب نادرة( ).
ومهما يكن من أمر فان حسن الجبرتي قد ترك في ابنه عبد الرحمن أكبر الأثر،في تكوين شخصيته التاريخية والاجتماعية،ولكن الابن يختلف قليلا عن أباه من حيث العلاقة مع السلطة الحاكمة،فقد كان عبد الرحمن الجبرتي بالمنظور الحالي ثوريا،لايرضى بالسلطة التي تظلم الرعية،وينتقدها في كثير من المواضع،على خلاف والده الذي ربطته علاقات وطيدة مع الطبقة الحاكمة،فلم نجد في عجائب الآثار أية إشارة على انتقاد،أو على الأقل،اعتراض على السلطة،ظالمة كانت أم عادلة.فحسن الجبرتي كان عالما ومتحضرا من الطراز الأول،والذي يمكن أن نعتبره من النخبة المثقفة في مصر في القرن الثامن عشر،والذين كانوا قلة( ).
فتربية عبد الرحمن الجبرتي في بيت مثل بيت أبيه لابد وان يؤثر على مجمل وجهة نظره التاريخية،وان تضعه في موقع ممتاز لكتابة التاريخ المعاصر والقريب منه عن بلاده،والمكانة البارزة التي حظيت بها عائلته بين العلماء لقرون عديدة،مكنته من أن يحيط علما بشريحة مهمة من السكان المحليين،والصلات العميقة لوالده مع زعماء المماليك والشخصيات العثمانية في عصره،وفرت له المادة التاريخية عن أرباب الحكم في مصر وعلاقتهم مع السلطة العثمانية،وان سعة أفق والده واشتغاله بمواضيع دنيوية بعيدة عن الدين تماما،لابد وان تكون قد وسعت مجال اهتمامه،لاسيما في أحوال العامة،وهذا ما أغنى ونوع سرده التاريخي،وعلى أية حال،بقي على تزمته الديني مثل البيه،ويتضح ذلك من أمور عديدة،مثل موقفه من الوهابيين والمتشددين المغاربة( ).
ثانيا:التكوين الفكري والتاريخي والاجتماعي للجبرتي.

يقال إن امتزاج فكرتين مع بعضهما البعض يؤدي إلى ظهور فكرة أفضل من اللتين امتزجتا،وكذلك يقول علماء النبات إن النبات إذا طعم ولقح بنبات غيره أنتج ثمرا أحلى من النباتين؛وكان بالتالي في السوق أكثر طلبا واعلى ثمنا،ففيه طعم الفاكهتين ورائحتهما،ويقول علماء الوراثة والباحثون في الذكاء إن الأسرة أو القبيلة التي يتزوج أفرادها بعضهم البعض الآخر يكون مصير أجيالها الضعف والغباء،وعلى العكس إذا دخل الأسرة دائما دم جديد من أسرة أو أسر جديدة؛جاء النسل أكثر قوة وأذكى عقلا،وبالتالي أصلح للبقاء وأقوى على النضال في الحياة.
كذلك كان عبد الرحمن الجبرتي الذي امتازت شخصيته بالكثير من التناقضات والاستفهامات( )،فالفترة التي انبثق منها الجبرتي في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر،كانت بيئة مقفرة،وامتازت بتدني الكتابة التاريخية في مصر،من اجل إظهار هذا التباين في فترة سلطنة المماليك (1250-1517)،التي تمتاز بوفرة المصادر التاريخية الغنية والدقيقة والمفصلة إلى أقصى حد،والتي لايمكن مضاهاة مصادرها كما ونوعا،فان فترة الحكم العثماني في مصر)1517-1811تقريبا)تمتاز بندرة المصادر التاريخية التي دونها سكان البلاد المعاصرين آنذاك،هذه الحالة كفيلة بحد ذاتها لغموضه،يصبح غامضا في ضوء حقيقة إن أول 70 سنة أو أكثر من الحكم العثماني جد غامضة،فالمختصرات التاريخية لابن أبي السرور البكري والاسحاقي،التي لم تحتوي على أكثر من سرد مختصر للأحداث،يعطي نظرة موجزة عما حدث في مصر في الفترة المذكورة أعلاه،إذا فعملية انتقال مصر من المماليك إلى شكلها العثماني مجهولة،باستثناء السنوات الأولى القليلة(922-928/1517-1522) التي وصفها ابن إياس،والمرحلة المتقدمة حصلت بعد هذا الانتقال،إذ أصبحت الصورة واضحة نوعا ما عن التاريخ والمجتمع المصري،الذي صورته الأعمال التاريخية التي قام بها الكتاب المصريين المحليين ،ويجب أن نربط،على أية حال،أنواع أخرى مهمة من المصادر،مثل الأرشيفات العثمانية،وبأهمية اقل،الرحالة الأوربيين،والتي لاتغني عن المصادر المحلية للمؤرخين( ).
ولعل ابرز سبب في ذلك التدني، تكمن في حقيقة أن مصر كانت إلى وقت الغزو العثماني مركز لأكبر وأعظم إمبراطورية،ثم تحولت إلى مجرد ولاية صغيرة في إمبراطورية كبيرة،فقد احتلت مصر في تموضعها بين أفريقيا واسيا ،وفي سهولة اتصالها بأوربا،مركز القارة القديمة،فهي أرض الفنون ،وهي تحفظ مآثر لاتحصى،وما تزال قائمة معابدها الرئيسية والقصور التي سكنها ملوكها،وقد رحل إليها هومر ، وليكيرغس ،وسولون،وفيثاغورس،وأفلاطون إلى مصر لدراسة علومها وديانتها وقوانينها،وأسس الاسكندر مدينة عامرة بالرفاء والثراء فيها،مدينة تمتعت لزمن طويل بالسيادة التجارية،وشهدت بومبي ويوليوس قيصر ومارك أنتوني وأوغسطس يقررون فيما بينهم مصير روما ومصير العالم كله( ).
والسبب المهم الآخر،هو النقل الجماعي للأعمال التاريخية من القاهرة إلى القسطنطينية،ولا يزال عدد منها هناك،وفي الحقيقة أن مثل هذه الأعمال متوفرة بنسخ معدودة،ويظهر التأثير السلبي عليها من خلال النقل الجماعي،وليس لدينا معلومات حول انتقال مؤرخين من مصر إلى العاصمة العثمانية،فالكتابة التاريخية العثمانية من القرن السادس عشر إلى بدايات القرن التاسع عشر كانت أغنى جدا وعلى مستوى عالي عما هي عليه في الكتابة التاريخية المصرية في الفترة ذاتها( ).
فشخصيته متعددة الجوانب،منها ما هو ديني وعلمي يرزح دوما إلى الدين في تفسير الكثير من الظواهر التاريخية والآنية،وثمة جوانب أخرى تمثلت بالتفاخر والتطلع الحر ،فضلا عن الاستعلائية التي ربما جاءت من موقعه الاجتماعي،هذا فضلا عن الشكية التي امتاز بها خلال منهجه في كتابة عجائب الآثار،فقد سعى دوما إلى التأكد من صحة الأخبار ولا يسلم أبدا بما يحدث دون الاستبصار عن جذور القضية( ).
كما أن في شخصيته ما يظهر تميزه في عصره،فهو ليس مجرد مؤرخ هاوٍ أو سردي ينقل الأخبار دونما نقد وتحليل،فقد قال عنه لين : “الشيخ عبد الرحمن الجبرتي… يستحق بشكل خاص أن يذكر ككاتب ممتاز لتاريخ الأحداث التي جرت في مصر منذ بدء القرن الثاني عشر للهجرة،وقال عنه أيلون أن الجبرتي برز كعملاق بين الأقزام في تاريخ مصر العثمانية،فضلا عن ذلك،فيما يتعلق بتاريخه،أن المؤلفات التاريخية لمؤرخين آخرين،عن تلك الحقبة،كانت محدودة جدا،لأنها كمصادر مساعدة لكتابه،لأنهم اكسبوه أهمية كبيرة،لكن بمقارنة الجبرتي مع مؤرخي مصر العثماني فقط،فيه إجحاف كبير له،لان تاريخه تعدى حدود البلد وتلك الحقبة.وفي رأيي أن الجبرتي،من الأهمية بمكان انه مؤرخ كبير للعالم الإسلامي،لم يسبق له مثيل،وابعد من ذلك انه المؤرخ الأعظم للعالم العربي في العصر الحديث.وقال عنه توينبي: “الجبرتي”:(المؤرخ المصري الجليل… باعتقادي انه بلاشك على قائمة المرشحين المصنفين برتبة امتياز كمؤرخين رائدين في المجتمع المدني الحديث.وقد نقل هيورث من الجبرتي بكثافة كبيرة في بحوثه عن الأدب والتعليم في مصر في القرن الثامن عشر.وبوفاته انتهى التاريخ العثماني وبدأ التدوين لتاريخ مصر بمعزل عن الدولة العثمانية،وبدأت القومية تأخذ اتجاهات جديدة.كما ذكره كب في كتابه المجتمع الإسلامي والغرب بوصفه عالما يستحق الثناء والتقدير( ).
ولطالما وجدنا بين طيات يومياته الأفكار التي يظن أنها التي يجب أن يعمل بها لصلاح ينشده،وفضائل يبتغيها،فنقطة انطلاق الإتقان النقدي المحكم هي وعي المرء لما هو حقا،فهو عرف نفسه جيدا،وعرف زمانه وأهله بإتقان،فالبعد الشخصي عنده كان نتاج للعملية التاريخية التي أودعت فيه آثارا لاحصر لها،ولعله أراد أن يودع تجربته الشخصية خلال العملية التاريخية التي نسعى لفهمها من خلال فهمنا للتكوين أو التركيبة الفسيولوجية التي شكلت شخصية عبد الرحمن الجبرتي.
فهناك عدة عوامل ساهمت في هذا التكوين،وستكون موضع بحثنا هنا،منها الأثر الكبير لوالده الشيخ حسن الجبرتي الذي وضعنا له مبحثا خاصا،كما أن الأثر السلالي، نقصد به الأصول التي انحدر منها عبد الرحمن الجبرتي،من بلاد الجبرت في الحبشة،والذي قد لايكون محل ترحيب كبير بين أوساط الباحثين،إلا انه لايمكن أن ينفصل هذا الأثر عن التكوين الطبيعي لشخصيته،وسنسعى إلى طرح بعض الآراء حول الجبرتية من قبل بعض المؤرخين المعاصرين له والذين سبقوه كثيرا،كذلك فان البيئة الاجتماعية التي عاشها الجبرتي آنئذ أثرت في تكوينه من جانبين،الأول بحكم موقع عائلته ومكانتها الرفيعة ماديا ومعنويا،الأمر الذي ترك أثرا كبيرا في شخصيته، ومن جانب آخر كان الأثر المعرفي والعلمي في هذه العائلة ووالده على الخصوص قد جعل منه طالب علم منذ صغره( )،وثمة نقطة ارتكاز في هذا الأثر هي مدى التقارب بين عبد الرحمن الجبرتي ووالده،الذي أدى بالتالي أن ينهل الجبرتي الابن الكثير من الجبرتي الأب في الكثير من التفاصيل الحياتية على مستوى العلائق الاجتماعية التي طبعت شخصيته بين الآخرين بطابع الاحترام والتفضيل على من سواه( )،فعلاقات والده المتشعبة والتي ذكرناها بالتفصيل في المبحث الخاص بوالده،وسنتحدث عن أثرها في هذا المبحث أيضا.
كذلك لدينا إشارات تكاد تكون ضعيفة لكن ربما يمكن اعتمادها،وهي علاقته مع النصارى،والقبط منهم على التحديد،والتي ربما كان لها أثرا ليس يسيرا في التكوين الفسيولوجي لشخصية الجبرتي في قضية التعامل مع الفرنسيين،كقوله عنهم:”القوم الذين يحكمون العقل ولا يتدينون بدين”،وهذه ربما تكون إشارة إلى أن الجبرتي نظر إلى العثمانيين والمماليك،بوصفهم مسلمين،ولكنهم مجردين من تلك الصفة،وان الإسلام على عهدهم لم يعد ذا أهمية،فهم مع كونهم مسلمين إلا أنهم لايتحرجون في التجاوز على الدين وأتباعه،وربما هي إشارة إلى علمانية الجبرتي،ولا نستطيع أن نؤكد هذا الأمر بدرجة كبيرة من اليقين ،لانقول باعتبارهم مخلصين أو مصلحين،وإنما على اقل تقدير،التعامل معهم-أي الفرنسيين- وفق التصورات المبتناة في شخصية الجبرتي من خلال تعامله مع النصارى المحليين-الأقباط بوجه الخصوص-.أي انه قد فقه النصارى جيدا،ولذلك تعامل معهم وفق تصوراته الخاصة( ).
بالرغم من أن الجبرتي مسلم،وهذا مما لاشك فيه،إلا انه تربطه علاقة حميمة مع النصارى،لاسيما القبط منهم،وهذا راجع إلى كونه من أصول حبشية،فهو من إقليم الجبرت جنوب شرقي البحر الأحمر،وكانت كنيسة الحبشة تابعة لكنيسة الإسكندرية حتى القرن العشرين،وعلى ذلك كانت العلائق متينة،وتعظيم الجبرتي للحبشة مبالغ به إلى حد بعيد،فقد أفرد صفحات طوال في كتابه عجائب الآثار في ذكر فضلهم،والكتب التي صنفت فيهم،ويشار إلى أن معرفة الجبرتي بالتاريخ الإسلامي محدودة،ولم تربطه مع مؤرخين مسلمين مشهورين علاقات متينة.ومن الأمور التي يشار إليها في علاقة الجبرتي مع نصارى القبط،انه قد ترجم لجرجس الجوهري أحد أعلام القبط في مصر،ووصفه بصفات كثيرة،ورأينا في كتابه عجائب الآثار،الكثير من التفاصيل عن الأقباط،لاسيما من الأصول الحبشية( ).
وثمة عنصر آخر لايقل أهمية عما سبق،فقد شهد ثلاثة أنظمة هي:المماليك والفرنسيين والعثمانيين،والتي تبلورت خلالها الصورية المدمجة التي كونت شخصيته فكريا.ولان مجال البحث هو الجبرتي والفرنسيين لذلك سنترك مبحثا خاصا عن اثر الفرنسيين في تكوينه الفكري،ومدى ترابط العلائق التي كونها الجبرتي في مخيلته عن الفرنسيين،ولعلنا سنفهم الفرنسيين من خلاله،وهذا ما سيقودنا إلى “رؤية خاصة” نستطيع من خلالها فهم العلاقة بين الشرق والغرب في فترة الاضطراب التي عاشها الجبرتي( ).

– المبحث الثاني:دراسة في تاريخ تأليف عجائب الآثار ومظهر التقديس واثر ذلك في تكوين الجبرتي:
– أولا:متى كتب عجائب الآثار:
لايمكن فهم العملية التاريخية التي انبثق منها تفكير الجبرتي السياسي والاجتماعي؛إلا من خلال معرفة متى وكيف كتب الجبرتي كتابه”عجائب الآثار”،فمن خلاله سنعرف الكثير من الحقائق التي ربما تقودنا إلى الكثير من التفاصيل التي تكاد تكون مهملة في كتابه العجائب،فهو قد خرج بتأريخ لفترة مهمة من تاريخ العرب عموما والمصريين بالأخص،ولعل هذه الفترة المضطربة التي تعددت عنها الآراء والأقاويل التي امتازت بالسطحية و التي لم تتعدى توظيف الأدلة في غير محلها.
إن محاولتنا هنا هي –ليس فقط-الكشف عن المكنونات الفكرية للجبرتي فحسب،بل أيضا معرفة سمات الغرب الذي تغلغل في رحم العرب ليلد لنا الاستعمار بجميع أشكاله،ولنكشف أيضا عن مدى مسؤولية العرب أنفسهم في إعطاء المبررات لهم،وهل أن رؤية العرب للغرب،أو العكس، آنئذ لم تتغير عنه الان؟وان تغيرت؛ فما هي الصورة التي آلت إليها هذه الرؤية؟وهل بإمكاننا أن نتعرف على مواطن الخلل التي أدت إلى ذلك التغلغل الذي تعددت أشكاله.
وسنورد بعض الآراء حول الفترة التي كتب فيها الجبرتي كتابه”العجائب”، ومن ثم نناقشها لنثبت الخطأ منها أو الصواب:
الرأي الأول:أن الجبرتي كتب المجلدات الثلاثة الأولى من عجائب الآثار بشكل نهائي خلال عام(1220هـ،وبدايات 1221هـ/1805-1806م)،أما المجلد الرابع فانه قد كتب في الفترة التي غطاها هذا المجلد،أي فترة محمد علي،وان الجبرتي كانت لديه نية في مواصلة الكتابة حتى بعد المجلد الرابع،وهذا-أي مواصلة الكتابة-يستشف من ملاحظته في آخر المجلد الرابع”وأما حادثة الاروام التي هي باقية إلى الآن وما وقع منهم من الإفساد وقطع الطريق على المسافرين واستيلائهم على كل ما صادفوه من مراكب المسلمين وخروجهم عن الذمة وعصيانهم وما وقع معهم من الوقائع وما سينتهي حالهم إليه فسيتلى عليك إن شاء الله تعالى بكماله في الجزء الآتي بعد ذلك والله الموفق للصواب واليه المرجع والمآب”( )،وان كتابه الآخر وهو”مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس”قد كتبه في نهاية (1216هـ/نهاية 1801/أو بداية 1802م)( ).
أما الرأي الثاني فقد ذهب فيه د.محمد أنيس إلى ابعد من ذلك،فيقول إن تفكير الجبرتي في كتابة التاريخ لم يكن من دافع شخصي،وإنما نتيجة لتكليف الشيخ محمد خليل المرادي الحسيني مفتي دمشق(ت 1206هـ)( )،للشيخ محمد مرتضى الزبيدي( )،لمساعدته سنة 1200هـ بجمع تراجم أعلام المائة الثانية عشر* ،والذي كلف بدوره تلميذه الجبرتي ليساعده في كتابة في هذا العمل،ومن ثم بدأ الجبرتي كتابته للتاريخ بجمعه لتراجم أعيان القرن الثاني عشر،ولما مات الزبيدي في سنة 1205هـ ،أرسل الشيخ المرادي مكتوبا للجبرتي لتكليفه مباشرة بتولي جمع التراجم،وكان الجبرتي قبل ذلك قد توقف عن الكتابة لوفاة أستاذه الزبيدي،لكن خطاب المرادي قد أعطاه الدافع لمواصلة الكتابة،ومن ثم فترت همته مرة أخرى لوفاة المرادي،فانقطع عن الكتابة بعد سنة 1206هـ ، إلى أن عاد إليها بشكل جديد،وهو المذكرات اليومية( )،وهنا مرت العملية التاريخية للكتابة عند الجبرتي حسب رأي د. محمد أنيس في أربع مراحل:الأولى انه بدا بكتابة مشاهداته اليومية ومذكراته منذ دخول الفرنسيين مصر أي منذ 1213هـ ،وانه كتب تاريخ مصر تحت الاحتلال الفرنسي من( 1213هـ – 1216هـ )،وهو كتاب (مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس)،وأما المرحلة الثانية:جمعه للتراجم التي كان قد كلف بها من قبل أستاذه الزبيدي ومن بعده المرادي،واخرج منها الجزئين الأول والثاني من كتابه عجائب الآثار،ثم عدل في مظهر التقديس واخرج منه الجزء الثالث من عجائب الآثار مع إضافة حوادث سنة 1216هـ و 1220هـ( )،ففي مخطوطة (كتاب مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس)الموجودة في المجمع العلمي العراقي،كتب على صفحة الغلاف فيها:وكان الشيخ الجبرتي أحد علماء الديوان الذي نصبوه الفرنسيس في مصر ،فهو رجل ماهر في علوم الأدب وعلم الفلك والميقات،فحيثما كان يعاشر علماء الفرنسيس وقت قيامهم خاف على نفسه من بعد ذهابهم وألف هذا الكتاب ليبرى ذمته وليظهر محبته إلى الدولة العالية)( )،وهذا ما يؤكد القول بان الجبرتي قد جعل كتابته للعجائب بشكل سري، و كتب مظهر التقديس قبل وصول العثمانيين إلى مصر،أي في بدايات المباحثات العثمانية الفرنسية في شأن خروج الفرنسيين من مصر وتسليمها للعثمانيين،أي بدايات (1216هـ/1801)،ولان الجبرتي قد أدرك ما يمكن أن يفعله العثمانيون به لو أنهم ظفروا به،أي أنه جعل من مظهر التقديس غطاء على كتابه العجائب،تنظر صفحة غلاف مخطوطة مظهر التقديس التي كتب عليها التعليق.،ثم أخذ يدون مذكراته للجزء الرابع الذي يشمل تاريخ مصر من سنة 1221هـ حتى سنة 1236هـ( ).ويؤيده في ذلك المستشرق الانكليزي هولت الذي ذهب مذهب د.محمد أنيس في ذلك.( )
ونستخلص من الرأيين انفي الذكر أن الجبرتي من جهة لم يكن لديه تفكير تاريخي،وإنما كانت عملية مساعدة انتدبه لها شيخه ومن ثم تحول الانتداب من شيخ شيخه إليه مباشرة،وان هذه العملية حسب رأيهم هي الدافع الحقيقي لدخول الجبرتي إلى مضمار التاريخ،ومن جهة أخرى أن عملية التأريخ للحملة الفرنسية هي بمثابة مذكرات يومية لاتخرج عن الخواطر التي كان يسجلها الجبرتي،والتي خرج حسب رأيهم منها بكتابه “مظهر التقديس”،وأما كتاب العجائب،فهو تحصيل حاصل إلى نهاية مجلده الثالث،فقد عدل بمظهر التقديس وخرج بالمجلد الثالث من العجائب،ومن ثم بدأ بكتابة أحداث الفترة 1221-1236هـ.بمعنى آخر أن كتاب العجائب وما تضمنه من أحداث وكتاب مظهر التقديس،لايتعديان الإخبار الصحفي.
و الحقيقة أن ما ورد آنفا لانستطيع أن نسلم به بعد القراءة المتأنية التي قمنا بها لكتابي الجبرتي(العجائب ومظهر التقديس)،فالكثير من الحوادث التي أرخ لها الجبرتي في العجائب بعد الدخول الثاني للعثمانيين تشير بما لايدع مجالا للشك ما سنثبته الآن،فلو قلنا أن الجبرتي قد كتب مظهر التقديس قبل العجائب،ومن ثم قام بتعديل مظهر التقديس وأخرج منه الجزء الثالث من العجائب،فإذا صح القول بان الكل يؤخذ من الجزء فقد يصح ذلك.
إذا قلنا أن مظهر التقديس يبدأ من (1213-1216هـ/1798-1801م)،أي من دخول الفرنسيين مصر حتى خروجهم منها ودخول العثمانيين بقيادة الوزير يوسف باشا.فإذا قارناه بالكتاب الثاني وهو عجائب الآثار،نجد أن الكثير من اليوميات التي كتبها الجبرتي في مظهر التقديس مقتضبة أي حذف منها بعض العبارات ،وأخرى مفصلة تفضيلا دقيقا في العجائب،ومن خلال المقارنة الإحصائية التي أجراها محقق كتاب مظهر التقديس نجد الآتي:
1. يتكون مظهر التقديس من 683 يومية تؤرخ للفترة من بداية الاحتلال في المحرم 1213هـ/،وحتى نهاية شعبان 1216هـ/ وفي نفس هذه الفترة الزمنية دون الجبرتي 778 يومية في عجائب الآثار بفارق 95 يومية بين الكتابين.إذ يتكون الجزء الرابع من عجائب الآثار من تاريخ 1213-1221هـ،أي أن الأصل هو عجائب الآثار،واليوميات المعدلة أخذت من العجائب وأخرجها بمظهر التقديس.بينما استمر بكتابة عجائب الآثار.
2. توجد 101 يومية وردت في عجائب الآثار ولم ترد في مظهر التقديس،منها 55 يومية خاصة بمشاغبات الجنود الأتراك ونهبهم الأسواق والمحلات ،وكذلك تتناول الغرامات والضرائب التي فرضت بعد عودة العثمانيين ومنها 4 يوميات خاصة بإنشاءات الفرنسيين وأعمالهم العلمية،ومنها 6 يوميات ذات صلة بموقف الجبرتي من الفرنسيين أو العثمانيين،ويومية واحدة خاصة بتجنيد الأقباط في الجيش الفرنسي ،وباقي اليوميات وعددها 16 يومية متنوعة في موضوعات لا علاقة بالفرنسيين أو العثمانيين بها،ومنها 19 يومية تراجم لأشخاص مختلفين،ويبدو أن الجبرتي لم يرد ذكرهم في مظهر التقديس لان الكتاب ليس لتراجم الأشخاص،وإنما هو كتاب موجه للعثمانيين( ).
فقد حرص الجبرتي في مظهر التقديس على إيصال فكرة إلى العثمانيين بأنه لم يتعاون مع الفرنسيين ولم يرض بوجودهم،وإنما رفضهم،ويظهر ذلك من الشتائم الكثيرة التي وجهها للفرنسيين،وفي الحقيقة أن الجبرتي مع كونه شتم الفرنسيين إلا أن النفس الذي امتاز به في عجائب الاثار ظل موجودا ولكن بصورة مبطنة،لانه لم يستطع تحمل عودة العثمانيين بنظامهم الذي اعتبره غير عادل كنظام الفرنسيين،ويلاحظ بالمقارنة بين مظهر التقديس وعجائب الاثار أن الجبرتي لايشير الى العثمانيين في مظهر التقديس الا بقوله((المسلمين))،بينما يطلق عليهم في عجائب الاثار ((العسكر))أو العثمانية،وفي مظهر التقديس لايذكر اسم قائد من القادة الفرنسيين الا مصحوبا بوصف معين كقوله:برطلمين الكافر،اللعين الكافر،اللعين كفرلي،والتعيس بونابرته،والملعون ديبوي،والملاعين الكفار،ولكنه يحذف كل هذه الأوصاف في عجائب الاثار( )
3. يوجد بمظهر التقديس 7 يوميات ومعظمها خاص بمدح الجبرتي للوزير العثماني يوسف باشا وبعض كتابات الشيخ حسن العطار.ويبدو هنا أن الجبرتي عندما استل من العجائب تلك اليوميات التي عدلها،قد أضاف ما من شأنه أن يمتدح العثمانيين،فضلا عن اعتماده على أشعار الشيخ حسن العطار الذي نظن بان اختياره ليكون الرفيق الشعري في مظهر التقديس ربما له قضية حاولنا البحث عنها ولاجدوى.وربما يكون استخدام الجبرتي لحسن العطار في كتابه مظهر التقديس عائد إلى أمرين،الأول أن العطار كان لديه قبول عند العثمانيين،وبالتالي ستكون كتابات الجبرتي أكثر قبولا لأنه متضمن أشعار وروايات نقلها العطار،والثاني أن العطار،كانت لديه حضوه عند محمد علي،فهو الذي رشح رفاعة الطهطاوي ليرسل إلى فرنسا، فضلا عن رحلاته الطويلة في بلاد الشام،وذكر المستشرق الانكليزي لين(LANE) الذي التقي به في سنة 1825م ، انه كتب تقريظا للعطار،وقال انه كتبه إجابة لرغبته لأنه علم أن لين سيكتب كتابا عن مصر وأهلها،ولذلك طلب منه أن يشير إلى معرفته به،وان يذكر رأيه به( ).
4. يوجد في مظهر التقديس 59 يومية وردت في عجائب الآثار مختصرة أو محذوف منها فقرات،وهي الفقرات الخاصة بمدح الوزير ورجال دولته،أو المبالغة في الهجوم على الفرنسيين دون مبرر.والحقيقة أن هذه الفقرات ليست مختصرة أو محذوفة وإنما هي الصورة الأولى لما كتبه الجبرتي،ثم عاد وعدلها في مظهر التقديس.
5. يوجد بمظهر التقديس 67 يومية وردت في عجائب الآثار مفصلة ومضاف إليها فقرات،وهي الفقرات الخاصة بإنشاءات الفرنسيين وعلومهم وقوانينهم ومسرحهم ومكتبتهم-المعهد العلمي-وبعضها خاص بأفاعيل الجند العثماني وقبيح خصالهم وأخلاقهم.وفي حقيقة الأمر أن هذه اليوميات كما ذكرنا في النقطة السابقة تدعم رأينا في أن الجبرتي كتب العجائب قبل مظهر التقديس،لأنه في احد يومياته وهي زيارته للمعهد العلمي الذي أنشأه الفرنسيين والذي وصفه وصفا دقيقا( )،فهل يعني أن الجبرتي كتب مارآه مختصرا في مظهر التقديس ثم كتبه مفصلا في عجائب الآثار.
6. يوجد في مظهر التقديس 92 يومية تم تعديلها عما كانت عليه في عجائب الآثار،لكي تبدو أكثر حيدة وموضوعية،فحذفت منها الشتائم الموجهة للعثمانيين،ومنها تبديل”الوزير”بكلمة”الصدر الأعظم”،و”العثمنلية”بـ “الدولة العلية”،كما استبدل عبارات وصف الفرنسيين “مثل الكافر واللعين والخبيث”وغير ذلك.ولعل هذا ما يؤكد الرأي الذي ذهب إليه د.أيلون حين يقول أن الجبرتي عندما كتب مظهر التقديس أراد بذلك التملق للعثمانيين( ).
7. يوجد بمظهر التقديس 184 يومية متطابقة تماما مع عجائب الآثار،حيث نقلت بالنص،كما توجد 276 يومية متشابهة بين الكتابين مع اختلاف بسيط في كتابة بعض الكلمات التي لاتؤثر على المعنى العام لليومية،ولعل ذلك حرصا من الجبرتي على أن يظهر مظهر التقديس بشكل يجعل منه كتابا حقيقا.
8. والخلاصة،فإن الجبرتي كتب 785 يومية للتأريخ للفترة المشار إليها وبيانها كالآتي:101 يومية موجودة في عجائب الآثار وغير موجودة في مظهر التقديس و6 يومية موجودة في مظهر التقديس وغير موجودة في عجائب الآثار ومجموعها 107 يوميات بنسبة 13.63%،و218 يومية تناولها الجبرتي بالاختصار والإضافة وتعديل الصياغة بنسبة 27.77%،ومجموع المعدل والمحذوف تماما 325 يومية بنسبة 41.40%،وهناك 184 يومية متطابقة في الكتابين،و276 يومية متشابهة بمجموع 460 يومية وبنسبة 58.60%،وعلى ذلك فان المتشابه في الكتابين يزيد عن النصف قليلا والمختلف والمعدل والمحذوف يقل عن النصف قليلا.
ونتيجة طبيعية لما سبق نقول أن الجبرتي لما كلف من قبل أستاذه الزبيدي لمساعدته في جمع تراجم أعيان القرن الثاني عشر،لم يكن ذلك في حقيقة الأمر هو الباعث الحقيقي لدخول الجبرتي العملية التاريخية،لأنه لم يكن يعلم الغرض الحقيقي لكتابة هذه التراجم،وإنما علم ذلك بعد وفاة أستاذه الزبيدي ومن ثم تكليفه مباشرة من قبل المرادي،فالجبرتي هنا قام بدراسة لهذه التراجم فقال عنها أن المرادي أهمل من يستحق أن يترجم من كبار العلماء والأعاظم ونحوهم( )،وهذا يعني أن الجبرتي لديه حس تاريخي،وان لم يكن الجبرتي لديه الخبرة في العملية التاريخية لما كلف بمثل هذا الأمر( ).
إن مسألة تحديد الباعث الحقيقي لكتابة التاريخ عند الجبرتي من الصعوبة بمكان إذا ما اعتبرنا أن الفترة التي انبثق منها الجبرتي في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر،كانت بيئة مقفرة،وامتازت بتدني الكتابة التاريخية في مصر،ولعل ابرز سبب في ذلك التدني، تكمن في حقيقة أن مصر كانت إلى وقت الغزو العثماني مركز لأكبر وأعظم إمبراطورية،ثم تحولت إلى مجرد ولاية صغيرة في إمبراطورية كبيرة،والسبب المهم الآخر،هو النقل الجماعي للأعمال التاريخية من القاهرة إلى القسطنطينية،ولا يزال عدد منها هناك،وفي الحقيقة أن مثل هذه الأعمال متوفرة بنسخ معدودة،ويظهر التأثير السلبي عليها من خلال النقل الجماعي،وليس لدينا معلومات حول انتقال مؤرخين من مصر إلى العاصمة العثمانية،فالكتابة التاريخية العثمانية من القرن السادس عشر إلى بدايات القرن التاسع عشر كانت أغنى جدا وعلى مستوى عالي عما هي عليه في الكتابة التاريخية المصرية في الفترة ذاتها( ).
وثمة مسألة أخرى هي أن الجبرتي بعد أن توقف عن الكتابة لان الأصحاب الحقيقيين الذين كلفوه قد ماتوا،وتوقف في سنة 1206هـ،ثم عاد إلى الكتابة في 1213هـ أي عند دخول الفرنسيين مصر،وهذا هو الباعث الحقيقي لدخول الجبرتي العملية التاريخية، وهي كما يقول الجبرتي(باعث من نفسي)،أي أن هذا الباعث هو دخول الفرنسيين مصر،وليس كما يقول د.محمد أنيس من أن الباعث النفسي ظهر في سنة 1220هـ/1805م،لأنه أراد تغيير موقفه من الأحداث التي مرت بها مصر منذ احتلال الفرنسيين لها( )، فموقفه من الفرنسيين قد ثبته منذ أول يوم دخلوا فيه،أما عن مسألة أن الجبرتي كان يكتب من خلال مواقف شخصية تتغير بحسب الحالة النفسية للجبرتي( )،،لأنه هنا تعامل مع نظام غير الأنظمة التي كان يألفها من مماليك وعثمانيين.
وبالتالي عندما أنهى الجبرتي تأريخه للفرنسيين منذ 1213-1216هـ/1798-1801م،وكذلك فترة العثمانيين 1216هـ/1236هـ/1801-1821م.أراد أن يضمن كتابه عجائب الآثار بما كان قد جمعه من تراجم،ليخرج كتابه على الصورة التي أراد،لأنه يقول انه لما عزم على جمع ما كان سوده من معلومات أراد أن يوصله بشيء قبله( ) ولم يكن ذلك الشيء سوى التراجم التي كان قد جمعها.كما يقول في مقدمة عجائب الآثار انه قد دون الحوادث التي جرت فيما بين أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر،الذي كان يعيش أيامه وحوادثه( )،أي أنه هنا يؤكد انه بدا بكتابة عجائب الآثار قبل مظهر التقديس.
أما فيما يخص مظهر التقديس فان الجبرتي لما عمل لدى الفرنسيين،فضلا عن الصفات التي ذكرها عنهم،وخشيته من جانب آخر مما يمكن أن يلحقه من العثمانيين الذين وصفهم بأوباش العساكر الذين يدعون الإسلام ويزعمون أنهم مجاهدون( )،ثم أنهم العثمانيين قد قتلوا ابنة الشيخ البكري( )،كان لابد للجبرتي أن يخشى على نفسه مما يمكن أن يطاله من العثمانيين،ولذلك خرج بكتابه”مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس”الذي أهداه للوزير يوسف باشا،وقد لخصه على وفق ما من شأنه أن يذهب بالخطر عنه.ولعل ما يؤكد ذلك هي مخطوطة “ضيا نامة” للدارندلي باللغة التركية،التي كتبها فيما بين 1801-1805م،بتكليف من الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا،والتي اقتبس فيها بشكل كبير من كتاب مظهر التقديس للجبرتي( ).
ولعل ذلك يؤكد أن الجبرتي أراد من مظهر التقديس أن يكون بمثابة حائل بينه وبين العثمانيين،ليستطيع إتمام عجائب الآثار،فيوهم العثمانيين انه لم يكتب سوى مظهر التقديس،بينما العمل مستمر في عجائب الآثار.وهذا يعكس أيضا الصورة التي كان عليها واقع الجبرتي،إذ لم يكن من دافع لمثل هذا العمل سوى الخوف والحذر الشديدين ، وان الجبرتي كان مدرك لما يمكن أن يطاله لو أن كتابه عجائب الآثار وقع بيد العثمانيين لأنه أدرك أن العثمانيين سيضربون بيد من حديد كل من تعامل مع الفرنسيين.فكيف سيتعاملون مع شخص كتب مآثر الفرنسيين وذم العثمانيين.
ثم أن الجبرتي فيما بعد أي بعد 1236هـ/1821م،بدأ بإخراج كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار في صورته النهائية،فحسب ما يورد جرجي زيدان في تاريخ الآداب العربية انه وقع على نسخة من عجائب الآثار في مكتبة محمد بك آصف بمصر جاء في آخرها انه تم تبييضها سنة 1237 وعلى هامشها ما نصه بخط واضح: ” بلغ مقابلة وقراءة على مؤلفه من أوله إلى آخره في يوم السبت المبارك 14 ربيع الأول سنة 1240هـ/1824م بمرأى ومسمع من مؤلفه متع الله الوجود بطول حياته ولا أحرمنا والمسلمين من صالح دعواته وعدد بركاته انه سميع قريب مجيب. رقمه بيده الفائية احمد بن حسن الرشيدي الشافعي الشهير بصوبع” ( ).وهذا يعني أن الجبرتي لم يعد صياغة عجائب الآثار وإنما أراد أن يتأكد قبل موته بتمام ما كتبه،ولتأكيد رأيه فيما كتب.

ثانيا- أصدقاء الجبرتي وأثرهم في شخصية وكتابات الجبرتي.
نجح نابليون في كسب رأي النخبة في مصر وهم العلماء، وأصبح الرأي العام المصري آنئذ ينظر إلى نابليون بأنه المخلص الذي جاء لإنقاذ المسلمين من الظلم والاضطهاد الذي مورس بحقهم،ولم يكن الجبرتي هو العالم المصري الوحيد الذي اتصل بالفرنسيين،بل اتصل بهم شخصيتين لهما وزن الجبرتي،وهما(إسماعيل الخشاب،وحسن العطار)،ولعلهما يحملان الخصائص ذاتها في قضية الاستغراب،ورؤية الآخر الفرنسي،ولكن ربما يكونان اقل من الجبرتي فهما للآخر،وهما في الوقت ذاته من الأصدقاء المقربين للجبرتي،وجاء إدراجنا لهما بحكم تلك الصلة الوثيقة بالجبرتي.
-أولا:إسماعيل الخشاب:
إسماعيل بن سعد بن إسماعيل الوهبي الخشاب الشافعي،الذي توفي في 2ذي الحجة 1230هـ/5 تشرين الثاني 1815م( )،كان أبوه نجارا،الذي تحول فيما بعد إلى مالك مخزن للخشب،كان إسماعيل يكسب قوته اليومي كشاهد في المحكمة العليا في القاهرة،وانتظم بقراءة كتب الأدب والتصوف والتاريخ،وكتب الشعر راقيا( )،بسبب معرفته الواسعة وشخصيته المحبوبة والمقبولة بين شخصيات بارزة من الأمراء والكتاب والتجار الذين كانوا يراهنون على رفقته،مثل مصطفى بك المحمدي أمير الحج،وحسن أفندي العربية،والشيخ السادات،فضلا عن شخصيات بارزة أخرى( ).
عندما أسس الفرنسيون الديوان للإشراف على شؤون المسلمين،عين الخشاب لكتابة يوميات ومحاضر الديوان،كما يقول الجبرتي:((تعين المترجم في كتابة التاريخ لحوادث الديوان وما يقع فيه من ذلك اليوم)( )،لان الفرنسيين،كالجبرتي،أولوا عناية كبيرة بتسجيل الحوادث اليومية في الديوان والمؤسسات الحكومية،كذلك كانوا يطبعون الأنباء ويوزعونها بنسخ عديدة،وإرسالها إلى جميع أفراد الجيش،حتى في المناطق النائية( ).
وعلى المستوى الشخصي كان للخشاب صلات مع أفراد في الجيش الفرنسي،فذكر له الجبرتي شعرا قاله في رجلين منهم،أحدهما اسمه:ريج أحد علماء الحملة،والثاني من رؤساء كتابهم من العارفين ببعض العلوم العربية؛يقول الجبرتي”ولما وردت الفرنساوية لمصر اتفق أن علق شابا من رؤساء كتابهم ،كان جميل الصورة لطيف الطبع عالما ببعض العلوم العربية،مائلا إلى اكتساب النكات الأدبية،فصيح اللسان بالعربي،يحفظ كثيرا من الشعر،فلتلك المجانسة مال كل منهما للآخر،ووقع بينهما توادد وتصاف حتى كان لايقدر أحدهما على مفارقة الآخر،فكان تارة يذهب لداره وتارة يزوره هو”( ).وذكر الجبرتي أن الخشاب كان يزوره ومعه أحد علماء الحملة الفرنسية وهو جيرار،”توكل بحضور الديوان كمثارى يقال له جيرار( ) وحضر يوم الجمعة سادس عشرينه بصحبة كاتب سلسلة التاريخ محبنا الفاضل العمدة السيد اسمعيل المعروف بالخشاب”( ).
يبدو جليا من هذا النص أن صديق الخشاب هو أحد المستشرقين الفرنسيين،فقد كانت له معرفة بالعربية،وآدابها،وهذا ما دفعه إلى التقرب من الخشاب،الذي كان على قدر من المعرفة بالعربية وآدابها،ولكن الذي جذب الخشاب إليه،هو معرفة هذا الفرنسي باللغة العربية،التي بلغت معرفته بها أن كان فصيح اللسان ويحفظ الكثير من الشعر العربي،وهذا يعني الاستغراب المبكر عند الخشاب،من القصيدة الحارة نوعا ما والتي قالها في هذا العالم الفرنسي( )،إلا أن الذي لفت انتباه الخشاب هو تلك المعرفة الدقيقة بالأدب العربي،فضلا عن فصاحة اللسان.
وفيما يتعلق بالديوان،فقد كلف الخشاب بأن يكون أمينا لمحفوظات الديوان،وما يصدر من أوامر وأنباء يومية،والتي دعاها الجبرتي”كاتب سلسلة التاريخ”( )،واستمر بهذه الوظيفة طيلة فترة حكم عبد الله جاك مينو،فلما رحل الفرنسيين عن مصر،”فجمع من ذلك عدة كراريس،ولا أدري مافعل بها”( )،وربما يكون الجبرتي قد استفاد من هذه الكراريس-أو على الأقل أن الجبرتي قد اعتمد على الخشاب في نقل الأخبار إليه،لان الخشاب بحكم وظيفته تلك كان على اطلاع مباشر على كل مايجري في الجيش الفرنسي”فهو المتقيد بكل ما يصدر من المجلس من أمر ونهي أوخطاب أو جواب أو خطأ أو صواب”( )،والذي دفعنا لهذه الاعتقاد أن الجبرتي يقول،لما رجع حسن العطار من رحلته كانا هو والخشاب يلتقيان ويبيتان كثيرا عنده( ).
وجدير بالذكر هنا أن عمل الخشاب لدى الفرنسيين ككاتب للديوان،لم تؤثر سلبيا عليه بعد خروج الفرنسيين،وإنما ذكر ككاتب للرسائل المهمة والمراسيم المتعلقة بالباشوات العثمانيين،خلال الفترة المبكرة من حكم محمد علي،التي تعرض فيها الجبرتي إلى اضطهاد حكم محمد علي( ).وربما نستطيع الربط بين وظيفة الخشاب وبين الكتابين الذين ألفهما،الأول”خلاصة مايراد من أخبار الأمير مراد”،والثاني”أخبار أهل القرن الثاني عشر”.
يذكر محققي كتاب”خلاصة مايراد من أخبار الأمير مراد”( )،أن الفرنسيين طلبوا من الخشاب كتابة هذا الكتاب،ويتضح ذلك حسب رأيهم أنهم استخدموه في وصف مصر.أما الكتاب الثاني”أخبار أهل القرن الثاني عشر”فيشير المحققان له( )،أن هذا الكتاب اخذ شكل السؤال والجواب،لان الخشاب قد ذكر في مقدمة كتابه مانصه : “فقد سألتني أرشدك الله من العمل إلى صوابه،وفتح لك باب الخير ،وسلك بك ما يوصلك إلى بابه أن اجمع لك جزءا يشتمل على بعض أخبار أهل القرن الثاني عشر مما شاهدته عيني أو نقلته عن من غير ذا جبت”( ).
ولما كان هذا الكتاب يبدأ من 1120-1213هـ/1708-1798م،فهذا يعني الشخص الذي يجيب الخشاب عن أسئلته هو صديق عبد الرحمن الجبرتي،فالجبرتي قد بدأ التدوين لعجائب الآثار منذ سنة 1100هـ/1688م،وهذا يعني أن الجبرتي قد كلف الخشاب بجمع أخبار أهل القرن الثاني عشر،وقد كان الخشاب قد ذكر لأول مرة في عجائب الآثار في سنة 1198هـ/1783م.وهذا يعني أن الجبرتي قد بدأ بكتابة التاريخ قبل الشيخ الزبيدي له سنة 1200هـ/1785م( ).
– ثانيا:حسن العطار.
حسن العطار،الصديق المقرب الثاني للجبرتي،كانت أسرة العطار مغربية الأصل،كما كان أبوه عطارا،ولكن حسن مال لدراسة العلم منذ الصغر،فشجعه أبوه على ذلك وأعانه،فشب شغفا بالعلم والبحث في كل غريب،وكان شخصية فذة،وامتاز على اقرأنه بعقلية حرة ناضجة،فأحس بان العلوم التي كانت تدرس في الأزهر حينذاك علوم فجة لاطائل تحتها،فدرس بنفسه علوم الهيئة والطب والفلك والرياضة،ومرن على استعمال الإسطرلاب وألف رسالة في كيفية العمل به وبالربعين المقنطر والمجيب،وكان يحسن عمل المزاول الليلية والنهارية( ).
عندما وصلت الحملة الفرنسية إلى مصر كان العطار في الثانية والثلاثين من عمره،فسافر إلى أسيوط،فلما استقرت الأحوال عاد إلى القاهرة،ويقول عل مبارك باشا:”واتصل بناس من الفرنساوية،فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم ويفيدهم اللغة العربية،ويقول أن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها،ويتعجب بما وصلت إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم،وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطريق الاستفادة”( ).
وفيما يخص علاقته مع الجبرتي وأثره في كتاباته، فقد ظهرت مساهمته البارزة في كتابات الجبرتي،هي أشعاره،التي اقتبسها الجبرتي كثيرا في عجائب الآثار ومظهر التقديس،بعضها كانت قصائد مدح ومرثيات في شخصيات مشهورة،والبعض الآخر منها استخدمه الجبرتي لتصوير بعض الأحداث أو الظواهر التي كتب عنها الجبرتي( ).
ويرد ذكره باعتباره قد مد الجبرتي بالمعلومات التاريخية مرة واحدة في كتاب عجائب الآثار،عندما اقتبس الجبرتي نص الرسالة الكاملة المؤرخة في 28 ذي الحجة 1215هـ/12 مايس 1801م،التي أرسلها العطار من أسيوط للجبرتي،والتي أعطى فيها الصورة الواضحة عن الطاعون،والمصاب الذي حل بأهل مصر العليا في الصعيد( ).
واشترك العطار في إتمام مظهر التقديس،كتاب الجبرتي عن الاحتلال الفرنسي،فقد ذكره الجبرتي على انه ساهم في جمع كتاب مظهر التقديس من خلال بعض الأخبار والشعر والنثر:”وكان ممن اعتنى أيضا بجمع بعض الأخبار،صاحبنا العلامة حسن بن محمد الشهير بالعطار،فضممت ما نمقه مع بعض من منظومه و منثوره إلى هذا السفر لينتظم في سلك حسن الذكر”( ).
بلغت شهرته وأثره الذروة في عهد محمد علي،الذي جعله شيخا للأزهر،وعينه فيما بعد محررا في الجريدة الرسمية المصرية، يقول لين الذي التقى بالعطار أثناء إقامته في القاهرة،أن العطار لم يكن متمكنا من علم الكلام وعلم التشريع كما كان معاصروه،وإنما كان متفوقا في علم الأدب،والإنشاء( )،كذلك ذكر في مناقشة المواضيع التاريخية بحضور الجبرتي( )،إذ ذكر الجبرتي عن العطار والخشاب:”وكثيرا ما كانا يتنادمان بداري لما بيني وبينهما من الصحبة الأكيدة والمودة العتيدة( )”وذكر عنهما أيضا:”وهما حينئذ فريدا وقتهما ووحيدا مصرهما لم يعززا في ذلك الوقت بثالث إذ ليس ثم من يدانيهما…واستمرت صحبتهما وتزايدت على طول الأيام مدتهما حتى توفي المترجم-أي الخشاب-وبقي بعده الشيخ حسن فريدا إماما يشاكله ويناشده ويتجارى معه ويحاوره”( ).والحقيقة أن صداقة الخشاب والعطار للجبرتي،من الأهمية بمكان أنها أعطت أهمية لعمل الجبرتي التاريخي خلال فترة حكم محمد علي،ومكنته من أن يبقى على اتصال مع ما كان يجري في الدوائر الحاكمة،والتي لم تتوفر للجبرتي الوصول إليها كما كان في السابق( ).

-ثالثا:الجبرتي وفلسفة التاريخ:
في إطار المناخ الفكري الذي كان يسود عصره-وانطلاقا منه-نظر الجبرتي للتاريخ ولظواهره؛فهو لم يستطع أن يرتفع عن مستوى عصره إلا بدرجة محدودة؛وظل مرهقا بهذا العصر لايستخلص العبرة ولا الحقيقة الاجتماعية( ).
والخط العام الذي يحكم فهم الجبرتي للتاريخ هو النظر إليه باعتباره محكوما بحتمية جبرية تحقق الإرادة العليا أو الخالدة،ولا شك انه انطلق إلى هذا الفهم من ثقافته الدينية وتعصبه السني وانتمائه الصوفي؛ولا شك أن إطارا من الفهم الأسطوري قد أحاط بهذا كله نتيجة للتدهور العقلي الذي كان سائدا في عصره( )؛فهو في مقدمة مظهر التقديس مثلا يشير إلى إمكانية التنبؤ بالوقائع التاريخية من حركة النجوم فعنده أن ((وقائع الأيام وخطوبها وحوادث الحادثات وكروبها؛لم تزل من حين خلق الله العالم متتالية ومن ضمن الليالي والأيام متوارية))( )،وهو يرى أن الله أودع في الكواكب خصائص عند اقتران بعضها ببعض،يربط بينها وبين ما يحدث على الأرض ،وان هناك من البشر من أودع الله في نفوسهم خاصية التنبؤ بالحدث التاريخي((إما بالهام أو باكتساب ونظر في علم الأحكام))،وتطبيقا لهذا يقول ((وان أعظم الدلائل على ما رميت به مصر،وحل به لأهلها تنوع البؤس والاصر بحلول كفرة الفرنيسس))؛ووقوع هذا العذاب البئيس حصول الكسوف الكلي في شهر ذي الحجة بطالع مشرق الجوزاء المنسوب إليه إقليم مصر( ).
لكن هذا الفكر المبالغ التدهور يتوارى إلى درجة ما في المقدمة النظرية المحدودة التي كتبها لعجائب الآثار،والتي تكشف-بدرجة أدق-مفهومه للتاريخ،وهو ينطلق من اليقين بان الإنسان حيوان اجتماعي إذ خلق الله الإنسان ضعيفا لايستقل وحده بأمر معاشه لاحتياجه إلى غداء ومسكن ولباس وسلاح،فجعلهم الله يتعاضدون ويتعاونون في تحصيلها وترتيبها بان يزرع هذا لذاك ويخبز ذاك لهذا،وعلى هذا القياس تتم سائر أمورهم ومصالحهم( ).وعنده أن موضوع التاريخ هو أحوال هذا المجتمع،فهو علم يبحث فيه عن معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائعهم وأنسابهم،لكنه يحتفظ للشخصيات البارزة مكانها في هذا الموضوع مثل الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والشعراء والسلاطين وغيرهم( ).
وهدف قراءة التاريخ عنده هو العظة والاعتبار أو قياس الحاضر على الماضي،فهو علم نفعي له قيمة في حياة الإنسان الراهنة،فقارئه يستفيد مايرومه من المنفعة ويعتبر المطلع على الخطوب الماضية فيتأسى إذا لحقه مصاب ويتذكر بحوادث الدهر،وهو مايمكن العاقل من أن يقيس نفسه على من مضى من أمثاله في هذه الدار الدنيا،وجوهر نفعية التاريخ يتمثل في حصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمن ليحترز العاقل عن مثل أحوال الهالكين من الأمم المذكورة السالفين،ويستجلب خيار أفعالهم ويتجنب سوء أقوالهم ويزهد في الفاني ويجتهد في طلب الباقي( ).
إذاً فعلم التاريخ عند الجبرتي فيه عبر وله مسار من عرفه امن شر الوقوع في اسر الفناء،وهذا المسار ليس عشوائيا وليس مجرد عبرة ترتبط بكل حادث على حدة،كما قد يبدو للنظرة المتعجلة في نصوص الجبرتي،ولكنه مسار يخضع لقوانين كلية ولحتمية مسبقة ترتبط فيها الأسباب بالنتائج والعلة بالمعلول،لكن هذه الأسباب ليست دنيوية إلا بمقدار خضوعها للناموس الإلهي الذي حدد كل شيء سلفا( ).
وحركة التاريخ لدى الجبرتي تتجه إلى تحقيق العدل،والله هو العادل الحقيقي الذي جعل لكل شيء قدرا،والإنسان لذلك لايستطيع أن يعدل إذا تجاوز أوامره ونواهيه بل إن نظام حياته الاجتماعية يختل ،فلو فرض فارض زائدا عليه أو ناقصا عنه لم ينتظم الوجود على هذا النظام بهذا التمام والكمال( )،وصحيح أن الظلم والعدل خاصيتين وضعهما الله في الإنسان،أو ركزهما في نفسه،إلا أن الله قد وضع أيضا ميزانا للعدالة وقانونا للسياسة توزن به حركاتهم وسكناتهم،وترجع إليه طاعاتهم ومعاملاتهم،والقانون السياسي هو كتاب الله والميزان الذي يحكم به على الناس هو العدل،ولان مباشرة هذا الأمر بواسطة الله،هو خلاف ترتيب المملكة وقانون الحكمة،فانه قد استخلف فيهم خلائف في قلوبهم-أي القران- و العدل –أي الميزان- ليحكموا بها بين الناس،والنظام الاجتماعي كله يفسد في رأي الجبرتي إذا تنازع هؤلاء الخلفاء في وضع الشريعة( ).
ويخضع العالم التاريخي في منظور الجبرتي لجبرية مسيطرة،والخلافة خاضعة لها،ومعناها عنده((أن ينوب احد مناب آخر في التصرف واقفا على حدود أوامره ونواهيه))( )،فالخلافة ليست اجتهادا ولكنها قيام بالواجب المحدد،وحتى العدل ليس إرادة إنسانية،فالإنسان يسمى عادلا،لما وهبه الله قسطا من عدله وجعله سببا وواسطة لإيصال فيض فضله واستخلفه في أرضه بهذه الصفة حتى يحكم بين الناس( ).
وخلائف الله في أرضه الذين يقومون بتطبيق العدل هم خمس فئات تتوزع في نظام طبقي هرمي حديدي،تبعا للرقعة التي يمارسون عليها خلافتهم،هل هي ضيقة أم متسعة،وهل هم مسئولون عن غيرهم أم عن أنفسهم فقط،وهذه الفئات الخمسة هي:((الأنبياء والعلماء والملوك،وولاة الأمور،وأوساط الناس،والقائمون بسياسة نفوسهم))( )،وفي هذا النظام فان الأنبياء أولاء الأمة وعمد الدين ومعادن حكم الكتاب وأمناء الله في خلقه( )،وبما أن النبوات قد ختمت برسالة محمد،فان العلماء-وهم الطبقة الثانية-يقومون بدور الأنبياء فهم ورثة الأنبياء،وهم أحباب الله وصفوته من خلقه ومشرق نور حكمته،وأمناء لله في العالم وخلاصة بني آدم،بل خلاصة خاصة الله من خلقه( ).
والملوك والأمراء هم خلائف العلماء،أي أن درجتهم في الخلافة درجة اقل من درجة العلماء،إذ الواجب على الملك أن لايقطع في باب العدل،إلا بالكتاب والسنة،لأنه يتصرف في ملك الله وعباد الله بشريعة نبيه ورسوله( ) ،وهو يعطي هؤلاء الملوك حق تطبيق الناموس،إذ لولا قهرهم وسلطتهم لتسلط القوي على الضعيف،والدنيء على الشريف،ولولاه أيضا لا يقدر مصل على صلاته ولا عالم على نشر علمه ولاتاجر على سفره( )،على أن العدل والإنصاف عنده يتسع ليكون أساسا لكل مملكة سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية،لكن المفهوم أن الدولة الإسلامية لاتكون عادلة إلا إذا طبقت الإسلام،وهو يرى العدل أساس استقرار الممالك وان فيه مصلحة للحاكم نفسه،فهو إذا عدل نصره الحق وصفت له النعمى وأقبلت عليه الدنيا،فتهنأ بالعيش واستغنى عن الجيش وملك القلوب وأمن الحروب وصارت طاعته فرضا وظلت رعيته جندا( ).
ويلي الملوك في الخلافة أوساط الناس،الذين يتحكمون فيمن هم أدنى منهم،وهؤلاء مسؤولون على أن يراعوا العدل في معاملتهم،ويؤدوا جناياتهم بالإنصاف فهم يكافئون الحسنة بالحسنة والسيئة بمثلها( )،وفي الطبقة الأخيرة يقبع القائمون بسياسة أنفسهم، هؤلاء الذين لايترأسون على أحد،ولا يتحكمون في إتباع، وهم مطالبون بالعدل مع أنفسهم،برعاية جوارحهم وضبط غرائزهم،لان كل فرد من أفراد الإنسان مسئول عن رعاية رعيته التي هي جوارحه و قواه( ).
ولا نستطيع أن نقول أن الجبرتي قد نظر إلى التاريخ من خلال الإطارات الضيقة والمحدودة لهذه الرؤية،وهي خليط من الأفكار السنية التي تعلي شأن النص وتتعصب له،ومن التصوف المعتدل المقبول لدى أهل السنة،بيد أن الإطار الواسع لها هو الذي يفسر كل الظواهر التاريخية عنده،ولا جدال في أن الجبرتي عندما أعاد النظر فيما عاصره من مراحل وصاغ تاريخه ما لبث أن ظن انه يعيش مرحلة تدهور،عله قد فزع من الانقلاب الحاد الذي نتج من التحولات الخطيرة على عهدي الحملة الفرنسية وما تلاها وما أحدثه محمد علي من تغيير حاد في نمط الحياة المصرية وفي نظام المجتمع المصري الاقتصادي والاجتماعي( )،واختفاء جماعات سياسية قديمة وظهور غيرها،ولأنه محافظ فقد هاله هذا وأدرك انه أمام تحولات وانعطافات خطيرة،ومن هنا فسر هذا التدهور والانحلال طبقا لنظريته تلك بتدهور العدل وبالعدول عن سنن الله وهو ما تمثل برأيه في انهيار أهم الخلفاء عن الله-بعد انتهاء النبوات-وهم العلماء( ).
وربما لهذا شغف الجبرتي شغفا شديدا بإبراز انحراف العلماء عن الناموس،وإذا صرفنا النظر عن الاحتمال الوارد بتأثره في ذلك بمنافسات وأحقاد شخصية،فان هذا الحرص هو جزء من تفسيره للظاهرة المرتبطة باختلال النظام في عصره كتعبير عن اختلال العدل لعدم قيام خلائف الله بدورهم،وهو يرصد حتى في قمة حديثه عن العلماء كخلفاء انه ظهر في هذا الزمان اختلال في حال البعض من العلماء من حب الجاه والمال والرياسة والمنصب والحسد والحقد( ).
وربما يرى الذوق العصري أن الجبرتي مبالغ في تزمته،وان علماء الأزهر كانوا عمليين وواقعيين تجاه عصرهم،لكن تزمت الجبرتي ليس صفة أخلاقية يحكم بمقتضاها على حفنة من الأشخاص،ولكن يحكم بها على المسار التاريخي،فالتاريخ عنده تحقيق لحتمية فرضتها الإرادة العليا بالكتاب والميزان وأنابت عنها خلائف ليطبقوا الكتاب ويعملوا بالميزان،وأهم هؤلاء الخلائف أو طليعتهم العليا هم العلماء،ولهذا انهار التاريخ بانهيارهم،وذهبت مصر عندما ضاعوا،فمن المعتمد لديه أن صلاح الأمة بالعلماء والملوك وصلاح الملوك تابع لصلاح العلماء وفساد اللازم بفساد الملزوم فما بالك بفقده،إن فساد العلماء اختلال لنظام العالم،إذ معنى هذا أن الخلفاء لم يكونوا أمناء على الرسالة وإذا لم يكن في الناس من يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم الهدى فسد نظام العالم وتنافرت القلوب( )،وبالتالي لما رفض الأمراء المماليك تنفيذ أوامر العلماء نزل البلاء ولم يزل يتضاعف حتى عم الدنيا وأقطار الأرض.


– قائمة المصادر والمراجع:
أولا- المصادر المعاصرة:العربية والمترجمة.
آ-العربية:
1. الجبرتي،عبد الرحمن بن حسن.
 عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق:عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم ،مطبعة دار الكتب والوثائق القومية،(القاهرة:2009).
2. ———.
 مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس،تحقيق:عبد الرزاق عيسى،ط1،دار العربي للنشر والتوزيع،(القاهرة:1998).
3. الخشاب،إسماعيل بن سعد.
 أخبار أهل القرن الثاني عشر،تحقيق:عبد العزيز جمال الدين،عماد أبو غازي،ط1،العربي للنشر والتوزيع،(القاهرة،1990).
4. الدارندلي،عزت حسن أفندي.
 ضيا نامة،دراسة وترجمة:جمال سعيد عبد الغني،الهيئة المصرية العامة للكتاب،(القاهرة:1999).
ب- المترجمة.
5. دافين،بريس.
 مذكرات بريس دافين (1807-1879)،ترجمة:أنور لوقا،(مصر:د/ت).

ثانيا-الكتب العربية والمترجمة:
6. حسن،إبراهيم محمد.
 المسلمون في الحبشة(القرن 10هـ/16م)،ط1،عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،(الجيزة:2009).
7. حمزة،عبد اللطيف.
 قصة الصحافة العربية في مصر،مطبعة المعارف،(بغداد:1967).
8. ذهني،الهام محمود علي.
 مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر،(مصر:1991).
9. ريمون، أندريه.
 المصريون والفرنسيون في القاهرة(1798-1801م)،ترجمة:بشير السباعي،ط1،عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،(الجيزة:2001).
10. زيدان،جرجي.
 تاريخ آداب اللغة العربية،(القاهرة:1914).
11. سركيس،يوسف اليان.
 معجم المطبوعات العربية والمعربة،(مصر:1928م).
12. الشناوي،عبد العزيز محمد .
 صور من دور الأزهر في مقاومة الاحتلال الفرنسي لمصر في أواخر القرن الثامن عشر،مطبعة دار الكتب،(القاهرة:1971).
13. شيخو، لويس.
 الآداب العربية في القرن التاسع عشر،ط2،(بيروت:1924).
14. عبد الغني ،مصطفى.
 الجبرتي والغرب(رؤية حضارية مقارنة)،الهيئة المصرية العامة للكتاب،(القاهرة:1995).
15. علي،صلاح أحمد هريدي.
 الجالية الأوربية في الإسكندرية في العصر العثماني،دراسة وثائقية من سجلات المحكمة الشرقية(923-1213هـ/1517-1798م)،(الإسكندرية:1988).
16. فورييه.
 المصريون المحدثون،وصف مصر،ترجمة:زهير الشايب،مكتبة مدبولي،المجلد الأول،).
17. مبارك،علي باشا.
 الخطط التوفيقية. الهيئة المصرية العامة للكتاب،(القاهر:1989) .
18. المقداد،محمود.
 تاريخ الدراسات العربية في فرنسا،(الكويت:1992) .
ثالثا- الدوريات العربية:
19. أنيس،محمد.
 (الجبرتي بين مظهر التقديس وعجائب الآثار)، مجلة كلية الآداب – جامعة القاهرة، المجلد:الثامن عشر،الجزء الأول،(مايو:1956م).
20. حسن،محمد عبد الغني .
 (ملاحظات الجبرتي المؤرخ على حوادث عصره)،مجلة الثقافة،دمشق،العدد 713،السنة الرابعة عشرة –أغسطس 1952).
21. سجل مبايعات الباب سنة 1162-سلسلة 239-المادة 473 ص 443.(المجلة التاريخية المصرية)،المجلدان التاسع والعاشر، (1960-1962).
22. عيسى،صلاح.
 (منهج عبد الرحمن الجبرتي في رؤية الظواهر التاريخية)،مجلة قضايا عربية،بيروت-لبنان،العدد الرابع،تموز-آب 1974).
رابعا-الرسائل و الاطاريح الجامعية:
23. عيسى، احمد عبد العزيز علي
 الصراع بين البيوتات المملوكية في مصر العثمانية(923-1213هـ/1517-1798م)،رسالة ماجستير غير منشورة ،جامعة الإسكندرية،(كلية الآداب:2001م).
خامسا- الكتب الأجنبية:
24. GIBB , H .Harold bowen .
 Islamic society and the west ,first edition,(oxford:1967
25. Holt ,p.m.
 Studies in the history of the near east, pub.1, frank Cass, (London-1973).
26. LANE, E.W.
 manners and customs of the modern Egyptians, (first published in 1836), Everyman s Library.
27. Toynbee, A.J.
 Civilization on trial, New York, Oxford University Press, 1948
28. Trimingham, Spencer.
 Islam in Ethiopia,(London:1958).

سادسا- الدراسات والبحوث الأجنبية:
29. Ayalon, David.
 )The Historian al-Jabartī and His Background),BSOAS, University of London, Vol. 23, No. 2 (1960).
30. ————–.
 Studies in al-Jabartī I.( Notes on the Transformation of Mamluk Society in Egypt under the Ottomans), JESHO, Vol. 3, No. 2 (Aug., 1960).
31. —————–.

 Studies in al-Jabartī I. (Notes on the Transformation of Mamluk Society in Egypt under the Ottomans), JESHO, Vol. 3, No3, Vol. 36, No. 3,(Oct., 1960)
32. Bosworth, C. E.
 (Al-Jabarti and the Frankish Archaeologists),IJMES, Vol. 8, No. 2 (Apr., 1977
33. Di-Capua, YOAV.
 “Jabarti of the 20th Century”: The National Epic of Abd Al-Rahman Al-Rafi i and Other Egyptian Histories, IJMES, ), Vol. 36, No. 3 (Aug., 2004)
34. Dunne s,Heyworth.
 (Arabic literature in Egypt in the eighteenth century),BSOAS, University of London ,vol. ix, 3, 1938
35. Livingston, John W.
 The Rise of Shaykh al-Balad Alī Bey al-Kabīr: A Study in the Accuracy of the Chronicle of al –Jabartī , BSOAS, Vol. 33, No. 2 (1970).
36. ——————.
 Alī Bey Al-Kabīr and the Jews,JMES,Vol. 7, No. 2 (May, 1971)
37. ——————.
 Shaykh Bakrī and Bonaparte,(SI),No80. (1994).
38. Marsot, Afaf Lutfi Al-Sayyid.
 The Political and Economic Functions of the Ulamā in the 18th Century, JESHO, Vol. 16, No. 2/3 (Dec., 1973
39. ———————–.
 Islamic Roots of Capitalism: Egypt, 1760-1840, IJMES, Vol. 14, No. 3 (Aug., 1982
40. Morehm Samuel.
 Reputed Autographs of Abd al-Rahmān al-Jabartī and Related Problems ,BSOAS ,Vol. 28, No. 3 (1965).
41. ——————-.
 ( Aja ib al-Athar fi l- Tarajim wa l-Akhbar). WI,New Series, Vol. 37, Issue 2 (Jul., 1997).
42. Mukhtar, Mohamed Haji.
 Arabic Sources on Somalia, History in Africa(ASA), Vol. 14 (1987
43. Poonawala, Ismail K.
 (The Evolution of al- Gabartī s Historical Thinking as Reflected in the Muzhir and the Agā ib), Arabica(BRILL), T. 15, Fasc. 3 (Oct., 1968).
44. Reichmuth, Stefan.
 Murtadā az-Zabīdī (D. 1791) in Biographical and Autobiographical Accounts. Glimpses of Islamic Scholarship in the 18th Century, WI,Vol. 39, Issue 1 (Mar., 1999).
45. Al-shetawi, Mahmoud.
 The Arab-West Conflict as Represented in Arabic Drama, WLD(University of Oklahoma), Vol. 61, No. 1 (Winter, 1987).
سابعا-الموسوعات:
46. Ayalon, David.
 AL-DJABRTI, THE ENCYCLOPEDIA OF ISLAM, NEW EDITION, (LEIDEN E. J. BRILL-1986),VOL.VII
47. GIBB, H. A. R.
 AL- ATTAR, THE ENCYCLOPEDIA OF ISLAM , NEW EDITION,(LEIDEN E. J. BRILL-1986), VOL . I.
48. Ulendorff, E.
 DJABART, THE ENCYCLOPEDIA OF ISLAM, NEW EDITION, (LEIDEN E. J. BRILL-1986),VOL.VII.

3 Comments Add yours

  1. manuel alvarez says:

    أريد أن أترجم هذا المقال إلى اللغة الإسبانية. هل يمكن هذا

    1. History has a story. Begins from here says:

      عزيزي اولا شكرا لك لاهتمامك بالموضوع ، اتمنى ان نتواصل من اجل هذا الامر ، وحول حقوق الملكية الفكرية ، ان احببت ذلك ، لامانع عندي من الترجمة مع الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية بشكل كامل

      الكاتب

    2. Omar J. M. says:

      راسلنا على البريد الالكتروني omo_his@live.com

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s